عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

44

معارج التفكر ودقائق التدبر

* أمّا المستعيذ : فإنّما يلجئه إلى الاستعاذة بغيره شعوره بضعفه وعجزه عن دفع أو رفع شرّ أو ضرّ أو أذى يخشاه ، أو قد مسّه منه شيء . ومعلوم أنّ الخلق كلّهم ضعفاء تجاه كثير ممّا خلق اللّه في كونه ، وهم فقراء إلى اللّه جلّ جلاله دون استثناء . * وأمّا المستعاذ به : فالقاعدة الإيمانيّة المستقرّة في قلب المؤمن تتضمّن أنّ الخلق جميعهم ضعفاء ، لا يملكون لغيرهم ولا لأنفسهم جلب نفع ولا دفع ضرّ ، إلّا بتمكين من اللّه وتسخير للأشياء ، وإذن قدريّ منه . فالسّلطان كلّه في الوجود كلّه له وحده لا شريك له ، هو الذي خلق فسوّى ، وأخرج من ظلمة العدم إلى نور الوجود ، وأمدّ بالقوى ، ومكّن ، وسخّر ، ثمّ هو يأذن إذا شاء أو لا يأذن . فهو عزّ وجلّ الذي يجب أن لا يستعيذ المستعيذون إلّا به ، وأن لا يدعو الدّاعون إلّا إيّاه . * وأمّا المستعاذ منه : فهو كلّ شرّ أو ضرّ أو أذى عاجل أو آجل ، من كلّ ما خلق اللّه ، ومن غضب اللّه وسخطه وعقابه ، وعذابه ، التي تجلبها معاصي العباد . ومن بلائه الّذي قد تقضي به مقاديره ، ممّا هو من المكاره ، وأذن اللّه بأن نسأله العافية منه . والمخلوقات الّتي يمكن أن تجلب للإنسان الشّرّ أو ما يكره من ضرّ أو أذى منبثّة في كلّ ما خلق اللّه من أنواع وأصناف ، بدأ من نفس الإنسان الأمّارة له بالسّوء بين جنبيه ، إلى شهواته الجامحة ، وأهوائه الجانحة ، وقواه الطاغية ، ثمّ إلى شيطانه الذي يجري منه مجرى الدّم ، فإلى سائر شياطين الإنس والجنّ ، وسائر ما خلق اللّه من ظاهر مشهود ، أو خفيّ محجوب . ممّا تضمنته سورتا المعوّذتين : وقد تضمّنت سورتا المعوّذتين أمورا ذات أهمية ، منها ما يلي :