عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
37
معارج التفكر ودقائق التدبر
« باسم اللّه يبريك ، ومن كلّ داء يشفيك ، ومن شرّ حاسد إذا حسد ، وشرّ كلّ ذي عين » . * وروى مسلم عن أبي سعيد الخدريّ ، أنّ جبريل أتى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « اشتكيت ؟ » ، فقال : « نعم » . قال : « باسم اللّه أرقيك ، ومن كلّ شيء يؤذيك ، من شرّ كلّ نفس ، أو عين حاسد ، يشفيك ، باسم اللّه أرقيك » . وقد لا يقتصر الحاسد ذو النّفس الخبيثة على الإصابة بالعين ، بل يتّخذ وسائل كيد ومكر فيها أذى أو ضرّ ، يكيد بها محسوده ، إلى حدّ القتل ظلما وعدوانا . وربّما قامت حروب طاحنة دافعها الحسد بين النّاس . ومن أعظم ما جرى في تاريخ الحسد ، حسد إبليس لأبينا آدم عليه السّلام ، فقد جعل هذا الحسد إبليس يتّخذ كلّ حيلة ووسيلة يستطيعها ليخرج آدم وزوجه من الجنّة ، وليتابع ذرّيّتهما بالإغواء والتّسويل والوسوسة ، ليدخلهم النّار . ومن الحسد في تاريخ بني آدم حسد قابيل لهابيل الذي دفع به حتّى قتل أخاه . ومن الحسد في تاريخ الناس حسد بني إسرائيل ، فقد حسد أولاد يعقوب عليه السّلام أخاهم من أبيهم يوسف عليه السّلام ، حتّى حاولوا قتله ، ثمّ اقتصروا على إلقائه في الجبّ ، وهو غلام صغير السّن ، وكان من شأنه بقضاء اللّه وقدره وإذنه وتمكينه وعنايته به ما قصّه اللّه في سورة ( يوسف ) . ثمّ حسدهم العرب إذ جاء النبيّ الخاتم الذي كانوا قد بشّروا به من أولاد إسماعيل عليه السّلام ، ولم يأت منهم من أولاد إسحاق ، فكفروا به ، وكادوه كيدا عظيما ، وكادوا دينه وأمّته ، وما يزالون يكيدون .