عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

87

معارج التفكر ودقائق التدبر

والفاء في « فكبّر » جيء بها للإشعار بأنّ الجملة واقعة جوابا لشرط محذوف تقديره ، ومهما يكن من شيء فكبّر ربّك . أو : ومهما استطعت في كلّ أحوالك فكبّر ربّك . هذه الآية يمكن اعتبارها عنوانا لكلّ مسائل الرّبوبيّة وقضاياها ، ولكلّ صفات الرّبّ الخالق ، إنّ تكبير الرّبّ يتضمّن بيان عظيم صفاته وأسمائه الحسنى ، ويتضمّن توحيده في ربوبيّته الّذي يستلزم عقلا توحيده في إلهيته جلّ جلاله ، ويتضمّن كلّ ما يدخل في إثبات الرّبوبيّة الواحدة للّه عزّ وجلّ من أدلّة ، وكلّ ما يدخل في إثبات صفات الرّبّ الخالق وأسمائه الحسنى ، من أدلّة وحجج وبراهين ، كلّ هذا يمكن اعتباره مشمولا بعنوان : وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) . ومن تكبير الرّبّ ذكره القلبيّ والنّفسيّ بالإجلال والتعظيم ، وذكره باللّسان الذي هو إعلان عمّا في القلب من اعتقاد نحو الرّب الخالق جلّ جلاله ، ومن تكبيره إعلان عبارة « اللّه أكبر » الّتي شرعت فيما بعد لافتتاح الصّلاة بها ، وترديدها عند البدء بالركوع والبدء بالسجود ، والبدء بالرفع منه ، وشرع إعلانها في الأذان والإقامة ، وفي صلاتي العيدين وخطبتي كلّ منهما وفي غير ذلك ، فشعار هذا الدّين : « اللّه أكبر » وعبارة الدخول فيه والانتماء إليه : لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه . ونلمح في هذه الآية التّوطئة والتمهيد لكلّ هذا الذي شرع فيه ترديد عبارة : « اللّه أكبر » مع التوجيه للتأمّل والتّدبّر في مضمون هذا الشعار العظيم دواما ، فبملاحظة أنّ اللّه جلّ جلاله أكبر من كلّ شيء تتصاغر في نفوس المؤمنين به السماوات والأرض وسائر مخلوقات اللّه ، ويتصاغر الطّغاة والجبابرة والعظماء من الإنس والجنّ ، وتتضاءل المرعبات والمخيفات والأهوال العظمى ، إذ هي خلق من خلقه ، ومظاهر لتصاريفه في كونه ،