عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
71
معارج التفكر ودقائق التدبر
أمّا أحدهما فضلّ في نفسه ، لكنّه لم يجعل من نفسه مضلّا ، ينهى عن عبادة اللّه والإيمان به . وأمّا الآخر فضلّ في نفسه ، وحمل مهمّة إضلال النّاس ومنعهم عن الإيمان باللّه وعبادته ، فإذا رأى عبدا من عباد اللّه يصلّي لربّه نهاه عن الصّلاة ، ودعاه إلى الكفر ، فهو بين الناس شيطان تضليل وإغواء ، وإمام من أئمّة التّضليل ، والفتنة عن دين اللّه ، أو داع من دعاة الضّلال في الأرض . هؤلاء الأصناف الأربعة قد جاء بيانهم في الدرس الثالث من دروس سورة العلق . لقد كان الدرس الأوّل دعوة المدرك المتفكّر المسؤول عن تصرّفاته في الحياة إلى قراءة وتدبّر ما ينزل به الوحي من عند الرّبّ الخالق ، وإلى تثبيت ما يهديه إليه التّلقّي والتدبّر بالقلم ، الذي هو من كبريات وسائل التعلّم وتقييد العلم . وجاء الدرس الثاني جوابا على سؤال مطويّ مقدّر ، فأبان العلّة النفسية لدى الذين يرفضون دعوة الرّبّ الخالق ، وهي الطغيان بسبب مشاعر الاستغناء . وجاء الدّرس الثالث أيضا جوابا على سؤال مطويّ مقدّر أيضا ، فأبان أصناف الناس الأربعة تجاه الدعوة إلى الاستجابة لدين اللّه الذي ينزل به الوحي من عند الرّب الخالق جلّ جلاله . فظهر لنا أنّ الدعوة إلى القراءة هي المفتاح الأوّل الذي يفتح به باب العلم ، وأنّ لفت النّظر إلى ربوبيّة الرّبّ الخالق هو المفتاح الأول الذي يفتح به باب الدّين . وظهر لنا أنّ رفض الدّعوة الرّبانيّة طغيان نفسي يولّده الشّعور بالاستغناء عمّا تشتمل عليه هذه الدعوة الرّبّانيّة ، أمّا من كان لديه الشّعور بالحاجة لما تشتمل عليه فإنّه يستجيب ولا يرفض .