عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

69

معارج التفكر ودقائق التدبر

وتعذيب ، فينزلون به وبأنصاره الّذين يدعوهم تعذيبا شديدا وإهلاكا ، ويمنعون رسول اللّه منهم ، فقال اللّه عزّ وجلّ : فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) . ويظهر أنّ أبا جهل ذعر من هذا التّحدّي والوعيد الرّبّاني فلم يستنصر بأحد من أهل ناديه على الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأعرض عن متابعة الرّسول في عباداته ، ولا سيما بعد أن ظهر له ما خلع قلبه حين حاول أن يقترب من الرسول وهو ساجد ليطأ على عنقه ويعفّر وجهه بالتراب . فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) : أمر تحدّ بأسلوب خطاب الغائب ، احتقارا له وازدراء به . النادي : يطلق على المكان الذي يجتمع فيه القوم ، ويطلق على أهل المكان ، فيقع على المجلس وأهله ، ويطلق على أهل الرجل وعشيرته ، وهذا المعنى الأخير هو الملائم لقول أبي جهل للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم : إنّك لتعلم أنّه ما بها رجل أكثر ناديا منّي ، أي : ما بها أكثر أهلا وعشيرة وأنصارا منّي . وإذا كان المقصود ما بها رجل أكثر أهل ناد منّي ، على معنى إطلاق لفظ النادي على المكان ، فهو من إطلاق لفظ المكان على أهله ومرتاديه ، على طريقة المجاز المرسل بإطلاق المحل وإرادة الحالّ فيه . الزّبانية : قال قتادة : الزّبانية عند العرب الشّرط . وجاء في كتب اللّغة أنّ الزّبانية هم الّذين يزبنون النّاس ، أي يدفعونهم . وسمّى اللّه بعض ملائكته زبانية ، لأنّهم يدفعون أهل الكفر والتكذيب والعناد عن أولياء اللّه ، ويدفعونهم إلى النار والعذاب فيها يوم الدّين . وأخيرا أعاد النّصّ زجر هذا الصنف الطاغي الباغي الضّالّ المضلّ ، فقال اللّه عزّ وجلّ : ( كلا )