عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
68
معارج التفكر ودقائق التدبر
ويمكن أن تجتمع هذه المعاني هنا ، فهذا الطاغي الباغي لئن لم ينته عن أعمال العدوان الّتي يقوم بها لنجازينّه بالضّرب على ناصيته ، والقبض عليها ، وأخذه منها ، وجذبه إلى حيث ينزل به العذاب . الناصية : مقدّم الرّأس ، وشعر مقدّم الرأس إذا طال ، وتجمع على نواص وناصيات . وجاء في سورة ( الرّحمن / 55 مصحف / 97 نزول ) بيان أنّ المجرمين يوم القيامة يؤخذون إلى دار العذاب بنواصيهم وأقدامهم لقذفهم فيها ، ولا يخفى ما في هذا من إهانة وإذلال لهم ، فقال عزّ وجلّ فيها : يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ ( 41 ) . ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) : جاء وصف ناصية هذا الطاغي الباغي المجرم بأنّها كاذبة خاطئة ، والمراد أنّه هو في هوّيّته الدّاخليّة كاذب خاطئ ، وهذا مجاز مرسل ، وهو من إطلاق بعض الظاهر وإرادة الباطن ، ولمّا كانت الناصية الّتي هي مقدّم الرأس مكان التكريم الأعلى من الإنسان ، وكان في باطن الرأس من بعدها جهاز الفهم والتفكّر ، ومنابع الإرادات ومناط المسؤوليّات ، ناسب أن تطلق الناصية ويراد ما يحتوي الرّأس بعدها ، المشتمل على الجهاز المركزيّ للوعي والإرادة . الخاطئ : المذنب العاصي . ولمّا كان هذا النّصّ قد نزل بمناسبة قول أبي جهل للنبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم وهو يصلّي : ألم أنهك عن هذا ؟ إنّك لتعلم أنّه ما بها رجل أكثر ناديا منّي . كان من المناسب أن يوجّه له النّصّ التّحدّي بأن يدعو كلّ أهل ناديه ، أي : بأن يدعو كلّ أنصاره مستظهرا بهم على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنّ اللّه سيمنع رسوله ويحفظه منهم ، إذ سيرسل الزّبانية ، وهم ملائكة إهلاك