الشيخ محمد الصادقي
362
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
فأين هذه البلاغة الأدبية والمعنوية البارعة على اختصار الآية وسائر تعبيرات البلغاء كقتل البعض إحياءٌ للجميع - أكثروا القتل ليقل القتل ، ومن بغلوها عندهم وافصحها : القتل أنفى للقتل ! . ف « الْقِصاصِ » هي أعَم من القتل ، و « حَياةٌ » تعم كل مراحلها و « وَلَكُمْ » تعم كل المسلمين ، و « أُولِي الْأَلْبابِ » تربط تلك الحياة العظيمة كحصيلة للقصاص بحكم الألباب ، خارجاً عن قشرية الرحمة وهمجية المهجمة غير العادلة ، ولا تجد عبارة كهذه البالغة المدى ، البليغة المعنى على إيجازها طول تاريخ الحقوق وعَرضه ، مما يجمع بين جمال التعبير وجلال المعنى وشموله لكافة المتطلَّبات العادلة في حقل القصاص . . وهنا « فِي » تعني ظرف القصاص وجوَّه لا نفسه ، فان نفسها ليس حياتاً وإنما فيها حياةٌ ، ثم وتنكير حياة تفخيم لها وتوسعة لحقولها ، و « الْقِصاصِ » المعرف تعريف بما يقصه القرآن من قصاص عادلة يسمح فيها بالعفو بعضاً أو كلًاّ ، ولا ينبئك مثلُ خبير بهكذا التعبير العبير . فليس القصاص في شرعة القرآن انتقاماً جافاً جافياً وإرواءً للأحقاد ، بل هي في سبيل الحياة ، واستحياءً للقلوب واستجاشة لتقوى اللَّه . فليست لتقوم شرعة ولا حكومة أخرى بغير القصاص الخاص المنتهي ب « لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » ولا يفلح قانون ولا يتحرج متحرج ، ولا تكفي التنظيمات الخاوية من روح التقوى صداً عن الطغوى . فالتقوى هي التي تحمل القاتل على الاعتراف بالجريمة في محكمة الشرع كما حصل كراراً زمن الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام ، فلقد كانت هنالك التقوى هي الحارسة اليقظة داخل الضمائر المؤمنة وفي حنايا قلوبهم ، إلى جانب الشرعة النيرة البصيرة بخفايا القلوب . فهل إن شرعة القصاص بعدُ همجية وجفاوة خلاف الحفاوة الإنسانية ، كما تقول الحضارة المادية المتفرنجة : إذا كان القتل الأول فقداً فالثاني فقد على فقد ، ثم وهو من القسوة وحب الانتقام ، البعيدة عن ساحة الإنسان العطوف الرؤوف ، وبالإمكان تأديب القاتل بما دون قتله . ثم إن جريمة القتل ليست إلّا خلفية أوتوماتيكية لإنحراف الروح ومرض النفس ،