الشيخ محمد الصادقي
343
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
يسعون فساداً للإفساد ، فالمفسد لتكسُّب وسواه لا للإفساد ، والمفسد للإفساد دون سعي ، هما ليسا من مصاديق آية السعي ، فغير محكومين بحدودها ، وبأحرى الفاسد الذي لا يفسد مهما كان ساعياً لإفساد نفسه دون سواه . والإفساد هو مقابل الإصلاح والعوان بينهما هو دون إصلاح ولا إفساد ، فهو إفساد الصالح أو المصلح حسب الشرعة الإلهية ، شخصياً أو جماعياً مهما اختلفا في بعد الفساد وكما في مختلف حقوله نفسه . فمن يسعى في إفساد نفس مؤمنة في أية ناحية من نواحيه فقد قتل نفساً وكأنما قتل الناس جميعاً ، مهما كان أهون إفساداً ممن يسعى في إفساد المجتمع . ثم الإفساد يعم كل أبعاده المذكوة في آية المحاربة ، والمحور الأصيل فيه إفساد النواميس الخمسة ، التي تتمحورها الشرايع الإلهية إصلاحاً لها ، من النفس والدين والعقل والعِرض والمال ، والدين هو رأس الزاوية ثم النفس والعقل ثم العرض ثم المال . والناحية السلبية من كل شرعة إلهية ناحية منحى الحفاظ عليها ، ثم الإيجابية تنحو نحو تكميلها ، فلابد من دفع الفساد والإفساد أياً كان حفاظاً على صالح الأرض والحيوية الإنسانية : « وَلَوْ لا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ » « 1 » . وقد تجمع جوانب عدة من الإفساد فعقوبات عدة حسبها كمن يقتل مؤمناً متعمداً ، حرباً نفسياً وأخرى ضد الإيمان ، أو يُحاول تضليله فثلاث ، أم وتخلَّفه أخلاقياً فأربع ، أم واستضعافه عقلياً فخمس ، أم واستلابه مالياً فست . والإفساد العقيدي بين هذه هو أكبر من القتل وأشد ، فإنه فتنة كبرى بحق المؤمن « وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ » « 2 » ومن وأجب المؤمن الحفاظ على من استنصره في دينه وإن لم يهاجر بدينه : « وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ . . . إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ
--> ( 1 ) 2 : 251 ( 2 ) ) 2 : 217