الشيخ محمد الصادقي

310

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

ترى وما هو جواب الآخر ، هل هو ردٌ بالمثل « وأنا لأقتلنك » أو « لأقاتلنك » ؟ كلّا ! حيث الناوي للقتل لا يستحق القتل ولا القتال ، ولا غير المتقبَّل قربانه إذ له يرتدَّ به بعدُ عن الدين . بل هو كلمة إصلاحية صالحة ، تبييناً للموقف المعادي لكي يهتدي إلى هداه ، أم يكف عن أذاه : « قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » توجيهاً رقيقاً رفيقاً للمتهدِّد بالقتل أن يتقي اللَّه كما هو إتَّقاه ، وهدايةً إلى الطريق المؤدية إلى القبول . فما ذنبي إذ تُقُبِّل مني تقوىً ولم يتقبل منك طغوىً ، فهل ترجوا تقبلًا منَّا معاً على سواء ؟ أم رداً علينا على سواء ؟ وهما تسوية ظالمة واللَّه منها براءٌ ! أم ترجوا تقبلًا منك رغم طغواك ، ورداً عليّ رغم تقواي ، وهذا تقديم للمفضول على الفاضل وما أظلمه ! . قل لي صراحاً ماذا تريد مني لأعطيك إياه إن قدرت ورضى اللَّه بديلًا عن قتلي ؟ . نرى الطاغية لا يحير جواباً لأنه منغمر في طغواه ، فائر مرجل غيظه إذ سقطت مُناه ، فهو مصمِّم على مغزاه وأن يرمي مرماه ، والمتقي يشرح متواصلًا واجهته الصالحة أمام التهديدة الكالحة الطالحة . ف « إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » ضابطة صارمة لا تستثنى طول خط الحياة بكل خيوطها ، فتقريب القربان أم أية عبادة أم أيُ تقريب كان لن يجد مجالًا لتقبله إلَّا بالتقوى الصالحة له وقَدَرهَا « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » فلا مجازفة في تقبّل الأعمال - كما فيها - عند اللَّه ، وكل شيءٌ عنده بمقدار . ضابطة ثابتة تجعل الأعمال الناتجه عن غير تقوى حابطة مهما أبرقت وأرعدت في ظواهر الحال ، وهنالك تتخربط الحسابات الخابطة عند النسناس ، الذين « ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً » « 1 » « 2 » .

--> ( 1 ) 18 : 104 ( 2 ) نور الثقلين 1 : 614 في كتاب معاني الأخبار بسند متصل عن الصادق عليه السلام قال : إن من اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامة تعظمه وتصفه فأحببت لقاءَه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحله فرأيته قد أحدق به كثير من غثاء العامة فوقف منتبذاً عنهم متغشياً بلثام انظر إليه وإليهم فما زال يراوغهم حتى خالف طريقهم وفارقهم ولم يقر فتفرق القوم لحوائجهم وتبعته أقتفي أثره فلم يلبث أن مر بخباز فتغفَّله فأخذ من دكانه رغيفين مسارقة فتعجبت منه ثم قلت في نفسي لعله معاملة ، ثم مر بعده بصاحب رمان فما زال به حتى تغفَّله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة فتعجبت منه ثم قلت في نفسي لعله معاملة ثم أقول : وما حاجته إذاً إلى المسارقة ؟ ثم لم أزل اتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين والرمانتين بين يديه ومضى وتبعته حتى استقر في بقعة من الصحراء فقلت له يا عبداللَّه لقد سمعت بك خيراً وأحببت لقاءَك فلقيتك ولكني رأيت منك ما شغل قلبي وإني سائلك عنه ليزول به شغل قلبي ، قال : وما هو ؟ قلت : رأيتك مررت بخباز وسرقت منه رغيفين ثم بصاحب الرمان وسرقت منه رمانتين ، قال : فقال لي قبل كل شيء حدثني من أنت ؟ قلت رجل من ولد آدم من أمة محمد صلى الله عليه وآله قال : أين بلدك ؟ قلت : المدينة ، قال لعلك جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ؟ قلت : بلى - فقال لي : فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به وتركك علم جدك وأبيك لئلا تنكر ما يجب أن ويُحمد ويُمدح فاعله ، قلت : وما هو ؟ قال : القرآن كتاب اللَّه ! قلت : وما الذي جهلتُ منه ؟ قال : قول اللَّه عز وجل « مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها » وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئين ولما سرقت الرمانتين كانت سيئين فهذه اربع سيئات ، فلما تصدقت بكل وأحد منهما كان لي بهما أربعين حسنة ، فانتقص من أربعين حسنة ، أربع بأربع ، بقي لي ست وثلاثون حسنة ، قلت ثكلتك أمك أنت الجاهل بكتاب اللَّه أما سمعت اللَّه يقول : إنما يتقبل اللَّه من المتقين ، إنك لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين ولما سرقت الرمانتين كانت أيضاً سيئتين ، فلما دفعتهما إلى غير صاحبهما بغير أمر صاحبهما كنت إنما أضفت اربع سيئات إلى أربع سيئات ولم تضف أربعين حسنة إلى اربع سيئات ، فجعل يلاحظني فانصرف وتركته . .