الشيخ محمد الصادقي
90
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
قوم صالح حيث أخذتهم الرجفة ، وقوم إبراهيم بما فعلوا به حرقاً زعمَهم فغُلبوا هنالك وانقلبوا ضاغرين ، ثم أهلك ملكهم نمرود وسلب عنهم النعمة ، وأصحاب مدين أهلكوا بعذاب يوم الظلة بكل مهانة وذِلَة ، وبصورة عامة « وَالْمُؤْتَفِكاتِ » وهي المنقلبات بقراها حيث جعلت أعاليها أسافلها كقوم لوط ، فقد عم عذاب الاستئصال بمختلف صوره أمثال هؤلاء الطغات الغاوين البغات فأصبحوا مثلًا للآخرين . « 1 » ولأن النبأ هو خبر ذو فائدة عظيمة ، فهو هنا منقسم إلى « أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ » وما أتاهم من عذابات تكذيباً لهذه البينات « فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ » هنا وهناك « وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ » تكذيباً للبينات وإبتلاءً بالمَثُلات والمؤتفكات . إنهم ظلموا إنتقاصا أنفسهم النجسة النحيسة ، حيث الانتقاص بظلمهم ليس ليرد على اللَّه وعلى الحق ، ومهما ورد على أهل الحق في حيوية مادية وليست روحية - فخلْفيتها الأصلية هي واردة عليهم أنفسهم ، إذ لا تذرهم ما هم أحياء في مثلث النشآت . فمن نبأِ هؤلاء الأنكاد : « فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ » « 2 » ثم أولئك الآخرون يستمتعون غير شاعرين ، سائرين سبيل الهلكى متغافلين ، فقوم نوح يغمرهم الطوفان ويطويهم إليهم في تيّار الفناء المرهوب ، وأمثالهم من هؤلاء المذكورين وسواهم . وهكذا تكون النفس المنحرفة المنجرفة إلى هُوَّات ، حيث تُبطرها النِعمة فتحوَّل نَعمة ونِقمة ، ولا تنتفع بعظات الغابرين ولا تعتبر ، ولا تنفتح بصائرهم لإدراك سنة اللَّه التي لا تتحول ، فلا تُبصر مهاوي ومصارع الأقوياء الأغوياء قبلها . هذه هي الضفَّة المنافقة والكافرة ، ومن ثم الضفَّة الإيمانية :
--> ( 1 ) . نور الثقلين 2 : في من لا يحضره الفقيه روى جويرية بن مسهر قال أقبلنا مع أمير المؤمنين عليه السلام من قتل الخوارج حتى إذا قطعنا في أرض بابل حضرت صلاة العصر فنزل أمير المؤمنين عليه السلام ونزل الناس فقال علي عليه السلام : أيها الناس إن هذه الأرض ملعونة قد عذبت في الدهر ثلاث مرات أو مرتين وهي تتوقع الثالثة وهي إحدى المؤتفكات ( 2 ) ) . سورة الزخرف 43 : 56