الشيخ محمد الصادقي

73

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

ثم « خُذِ الْعَفْوَ » عن الناس ، أن تعفو عمن ظلمك « 1 » والعفو في الأمور هو الوسط فيها دون إفراط ولا تفريط . وكما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لما نزلت هذه الآية : أمرت أن آخذ العفو من أخلاق الناس » « 2 » إذ قد تعني بين الإفراط والتفريط . ثم « وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ » قد تعني نفس الأمر عرفاً كما الأمر بالعرف ، فليكن الأمر عرفاً دون نكر ، عرفاً في مادة الأمر وكيفيته ، وعرفاً من الآمر أن يكون هو نفسه مؤتمراً به ثم ليكن أمراً بالعرف ، فالباء في الأولى للمصاحبة وفي الثانية للتعدية وهما معاً معنيَّان . « وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » إعراضاً عن ملاحقتهم لجهلهم القاحل ، وإعراضاً عن اتباعهم مسايرةَ جهلهم ، فالجهل في مثلث التعامل تتركز عليه نقطة الإعراض ، إبرازاً للفاصلة بين غير الجاهلين والجاهلين ، ونهياً جاهراً عن منكر الجهل الجهالة . وهنا الأخذ بالعفوِ الإغماض ، هو كأصل ما لم يعارض ملابسات تفرض عدم العفو ، كأن يعفى عن الظالم الذي يزداده العفو عتواً على المظلوم ونفوراً عن العدل ، سواءٌ أكان المظلوم هو العافي فهو ظالم مرتين ، أم المطِّلع على ظلم أخيه فهو ظالم مرة . كما وأن الإعراض عن الجاهلين لا تعنى فيما تعنيه الإعراض عن تعليم وتأديب الجهال الذين هم في تحرّي العلم والمعرفة ، أم هم غافلون عن جهلهم أو واجب تعلمهم ، فعلى العالم أن يُظهر علمه اللّهم إلَّا فيما يهدَر أو يهدِّر فإنه إذاً ظلم

--> ( 1 ) ) . الدر المنثور 3 : 155 ، أخرج البيهقي في شعب الإيمان من طريق وهب بن جرير عن أبيه قال : كنت جالساً عند الحسن إذ جاء رجل فقال : يا أبا سعيد ما تقول في العبد يذنب الذنب ثم يتوب ؟ قال : لم يزدد بتوبته من اللَّه دنواً ، قال : ثم عاد في ذنبه ثم تاب ؟ قال : لم يزدد بتوبته إلا شرفاً عند اللَّه ، قال ثم قال لي : ألم تسمع ما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ قلت : وما قال : قال : . . ( 2 ) . المصدر أخرج ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق عن إبراهيم بن أدهم قال : لما أنزل اللَّه . . . وفي نور الثقلين 2 : 111 في تفسير العياشي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ان اللَّه أدب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقال : « يا محمد خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » قال : خذ منهم ما ظهر وما تيسر والعفو الوسط