الشيخ محمد الصادقي

74

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

بالعلم ورعيله . ومن الترتيب التربوي بين هذه الثلاثة أن الأصل الأوّل هو الأخذ بالعفو مالًا وحالًا وأعمالًا في نفسك وذويك وسائر الناس ، ومن العفو في الدعوة هو الوسط بين الإفراط والتفريط ، فإذا تخلف متخلف بعد بلوغ الحجة ف « وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ » ثم جهل جاهل إصراراً على جهله « وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ » . وهكذا يصدق المروي عن الإمام الصادق عليه السلام انه « ليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . « 1 » فهنا في ختام السورة يؤمر صاحب الدعوة بمن معه وهم بعدُ مكة أن يواجهوا تلك الجاهلية العريقة الحميقة بكل سماحة ويسر ، أخذاً بالعفو الميسَّر ، ورفضاً لكل معسَّر إلّا الأمر كما في حقل النهي والأمر ، تغاضياً عما يقبل في عشرة الناس ، دونما تنازل عما قرره اللَّه من شِرعته حيث لا تقبل التنازل كما ليس فيها تعاضل . فالإغضاء عن الضعف البشري ، والعطفُ عليه ، والسماحُ معه ، كل ذلك واجب الداعية ، فالتعامل مع مختلف النفوس البشرية بُغية هداها يقتضي رحابة صدر وسماحة طبع ، في غير تهاون ولا تفريط في شرعة اللَّه . ثم الأمر بالعرف هو عرف ذلك الأمر في شرعة اللَّه ، والعرف المأمور به هو المعروف لدى الفطرة والعقلية الإنسانية والشرعة الربانية ، معروفاً لا ينكر ولا يُتنكر ، وهذه هي الخطوة الأولى في حقل الأمر ، ومن ثم خطوات أخرى إلى أعراف أخرى تلحقها .

--> ( 1 ) . الدر المنثور 3 : 154 أخرج البيهقي في شعب الإيمان عن علي عليه السلام قال قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : ألا أدلك على خير أخلاق الأولين والآخرين ؟ قلت يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله نعم قال : تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك ، أقول وقد تظافرت الروايات عنه صلى الله عليه وآله أنه قال مقالته تلك بعد نزول هذه الآية وبمناسبتها . وفي نور الثقلين 2 : 111 في عيون الأخبار باسناده إلى الحارث بن الولهاث مولى الرضا عليه السلام قال : سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول : لا يكون المؤمن مؤمناً حتى يكون فيه ثلاث خصال سنة من ربه وسنة من نبيه وسنة من وليه إلى قوله : وأما السنة من نبيه فمداراة الناس فإن اللَّه أمر نبيه بمداراة الناس فقال : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين