الشيخ محمد الصادقي
248
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
الأحرار ! . فليست إذاً قولة في الآذان ، وإنما قالوا في أنفسهم قولًا بليغاً ، فإطعام الطعام هكذا - مع ما تصحبه من ملابسات - تنفي الرئاء وسائر وجوه النية السيئة ، وإنه تعبير عبير في أنفس المحاويج عن « إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ . . . » دون قولة باللسان ، فالتلميح أبلغ من التصريح : « لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً » : لا مكافأة ولا اظهاراً بثناء جميل ، أو تلميحاً للناس أن ذلك من فلان وفلان ، فان شكر النعمة وشكورها هو اظهارها قلباً أو لساناً أو عملًا ، ف « إِنَّما » هناك تنفي كل غاية من هذا الإطعام إلا وجه اللَّه ، لا واقع الجزاء والشكور فهم رافضوه ، ولا إرادته أو نيته فهم مترفعون عنها ، وإنما إرادة وجه اللَّه لا سواه . فهل لا يريدون من اللَّه أيضاً جزاءً كما لا يريدون منهم ؟ تلمح « إِنَّما . . » أنهم لا يطعمون جزاء ولا من اللَّه ، فإنها عبادة الأجراء ! ولا تحرزاً عن عذاب اللَّه فإنها عبادة العبيد ! وإنما يعبدونه لأنه اللَّه ، « لِوَجْهِ اللَّهِ » وإنها عبادة الأحرار ، فهؤلاء الأبرار هم أبر الأحرار ، ولا تعني « مِنْكُمْ » نفي ترقب الجزاء والشكور منهم فقط ، وإنما كأقرب الجزاء المترقب ، و « إِنَّما » المسبقة تحصره في وجه اللَّه ، اللهم إلا أن يكون ترقُّبه من اللَّه بأمر اللَّه ولوجهه ، لا أجراً منه ، ثم وليس خوفهم يوماً عبوساً قمطريراً إلا خوف العبد عن زلفاه ومعرفته ورضاه ، وإنما هي جنة الرضوان يعملون لها ، ونيران البعد يتحذرون عنها : « إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً » : « نَخافُ مِنْ رَبِّنا » خوفاً من ربوبيته لعدله ، الظاهر « يَوْماً عَبُوساً » : قاطباً وجهه معبِّساً « يقبض ما بين الأبصار » « 1 » يُستدل بعبْسه وقُطوبه على إرصاده بالمكروه وعزمه على ايقاع الأمر المخوف « قَمْطَرِيراً » : شديداً ضره ، طويلًا شره ، وهذا اليوم نفسه متطلق مستبشر لمن يخافون ربهم فيحسبون حسابه حياتهم ، فالطَّلق والعبْس ليوم الحساب ، كلُّ بحساب كيفية الحساب ، دون أن يحمل اليوم بذاته أياً منهما إلا ميزان الحق والعدل . ف « الكافر يعبس يومئذ حتى يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران » « 2 » والمؤمن يُلَقّى
--> ( 1 ) . الدر المنثور 6 : 299 - اخرجه ابن مردويه عن انس عن النبي صلى الله عليه وآله في الآية ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 267 كما روي أن الكافر . .