الشيخ محمد الصادقي
243
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
اللَّه القمة ، فإذ يوفي الإنسان ما يفرضه للَّهعلى نفسه فهو أوفى للَّهبفروضه الأصيلة ، وهذه الآية تجاوبها آيات عدة في وجوب الوفاء بالنذر : « وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ » « 1 » « إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا » « 2 » . وقد يعم النذرُ إيجاب الواجب : فرضاً على فرض ، كإيجاب المندوب فرضاً على ندب ، فالابرار ينفذون ما اعتزموا من واجبات ، وما التزموا من طاعات ، كما ويعم ما أوجب اللَّه عليهم في الميثاق « 3 » فهم يوفون بنذورهم ونذور اللَّه . وإنها لهي صورة لمّاعة عن قلوب صافية ، وصدور منشرحة ضافية ، معتزمة على الوفاء للَّه ، عاملة لوجه اللَّه ، دون أن تريد إلا مرضاة اللَّه . إنهم « يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً » فهنا شرٌّ مستطير ، وهناك شرّ ثابت ، فالمستطير هو شرّ الدنيا ، والثابت هو شرّ الآخرة الناتج عن الأولى ، فان شر الآخرة من شر الدنيا المستطير إليها ، فحقيقة الإستطارة من صفات ذوات الأجنحة : البعثة على الطيران ، فشر الدنيا مبعوث من قبل اللَّه للطيران إلى مسجلات الكون : شهود الأعمال ، وللطيران إلى اعماق البرزخ والقيامة ، ثم يقف للحساب والجزاء : « وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً » « 4 » وإنها تيارات الشر ، كأنها طائرات وهي في أعناق ركابها . وتُجاوب « مُسْتَطِيراً » « كانَ » فإنها تلمح بمضيّها ، بأن شر الآخرة - المستقبل - هو استمرار لشر الدنيا - الماضي - المستطار ، طَبَقاً عن طَبَقٍ ، فليقطع العاقل أجنحة الشر وأصولها في الأولى ، لكي لا يستطير والى الآخرة . ولأنهم يخافون ذلك اليوم البئيس العصيب ، يدأبون - هنا - في أجتثاث جذور الشرور لكي لا تستطير ، ويعملون في استطارة الخيرات لكي تستطير ، ومن أسباب ذلك السلب وهذا الإيجاب الإيفاء بالنذر واطعام الطعام على حبّه لوجه اللَّه ، المسكين واليتيم والأسير
--> ( 1 ) ) . 22 : 29 ( 2 ) . 19 : 16 ( 3 ) . أصول الكافي باسناده عن أبي الحسن الماضي في آية النذر قال : يوفون للَّهبالنذر الذي اخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا ( 4 ) ) . 17 : 13