الشيخ محمد الصادقي

106

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

الدين بوصله وفصله أية هامة « 1 » . فهل يعني - بعد - يوم ابتعاث الرسول صلى الله عليه وآله ؟ ولم يكن يومئذ لهم دين حتى يُكمل به إلا الشرك ، ولم ييأس « الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » - لو كان لهم دين - منذ بزوغه ، بل كانت لهم أطماع شاسعة متوسعة لاستئصاله ، لا سيما وأن الرسول صلى الله عليه وآله لم يكن له ولد من الذكران ! ، أو أنه فتح مكة المكرمة كما وعده اللَّه له : « إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً . لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً . وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً » فهنالك إتمام النعمة وإكمال الدين ب « يُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ » كما فيه « يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ » ب « وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً » . فقد رجعت بذلك الفتح المبين عاصمةُ التوحيد ومهبط الوحي الأمين إلى الرسول الأمين صلى الله عليه وآله ، ولكن ليس ذلك الفتح بمجرده مما يؤيِس الذين كفروا - ككل - من دينكم ، كما وأنه بينه وبين رحلته صلى الله عليه وآله سنتين وقد نزلت فيها آيات تحمل أحكاماً أخرى وتوجيهات ، كما و « ليتم وينصر » بشارة للمستقبل وليس فتح مكة إلا تقدمة له وذريعة ، وبذلك يعرف - وبأحرى - أنه ليس - كذلك - يوم عرفة ، ولا يوم نزول البراءة وما أشبه فإن يوماً من هذه لم يكن ليُؤيس الذين كفروا من دينكم حتى يكمل ويتم النعمة تماماً وكمالًا . أوَ ترى أنه يوم إكمال الدين بأصوله ؟ وقد ابتدأ بها صاحب الرسالة لزاماً وعاشها طول حياته مكرراً إياها مؤكداً لها ! ولم تكن - كذلك - تؤيس الذين كفروا . أو أنه يوم ختام القرآن ؟ ولم يختم إلا عند ختام عمره الشريف إذ لم ينقطع عنه الوحي

--> ( 1 ) . عن المناقب الفاخرة للسيد الرضي رحمه اللَّه عن محمد بن إسحاق عن أبي جعفر عن أبيه عن جده عليهم السلام قال : لما انصرف رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من حجة الوداع نزل أرضاً يقال له : ضوجان فنزلت هذه الآية « يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ . . . » فلما نزلت عصمته من الناس نادى الصلاة جامعة فاجتمع الناس إليه وقال : من أولى منكم بأنفسكم ؟ فضجوا بأجمعهم فقالوا : اللَّه ورسوله ، فأخذ بيد علي بن أبي طالب عليه السلام وقال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنصر من نصره وأخذل من خذله لأنه مني وأنا منه وهو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي وكانت آخر فريضة فرضها اللَّه تعالى على أمة محمد صلى الله عليه وآله ثم أنزل اللَّه تعالى على نبيه « الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً »