الشيخ محمد الصادقي
296
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
يكن مسجد اً عاماً ، وكما أمرنا أن نخصص أمكنة خاصة في بيوتنا للصلاة ، وذلك عند إعواز المساجد الرسمية أم عسر الوصول إليها ، ثم الآية المكية ليست لتحصر حكمها بالعهد الملكي ، كما المدينة لا تخص المدنيين ، فالقرآن ككلٍّ شرعة عالمية تتخطى حوجز الزمان والمكان ، مهما كان المخاطبون الأولون المكيين والمدنيين : « كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ » . وفي رجعة تفصيلية إلى ذلك المقطع اللَّامع من لوامع الآية نتساءل : هل المشابهة هنا بين البدء والعود واقع ؟ والبدء ولادة من الأرحام ابتداء « بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ » والعود لا يعرف صلباً ولا رحماً ولا أية ولادة ! . إنه في وجه المشابهة تشابه بين بدء الإنسان الأول حيث بدأنا به ، وبين العود ككلّ ، فكما خلقنا اللَّه أول مرة من تراب ، كذلك يعيدنا من تراب « وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » مرة أخرى . وبوجه ثان « كَما بَدَأَكُمْ » إنشاءً من تراب كالإنسان الأوَّل ، أم إنتشاء الإنسان كسائر الإنسان ، ولم يعي بذلك الخلق الأول ، كذلك « تَعُودُونَ » بنفس القدرة ، و « هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » . وقد يعني التشبيه كلا الأمرين ، تشبيهاً في القدرة بأولوية ، وتشبيهاً في المنشأ بين البدء والعود ، ف « هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » ( 30 : 27 ) « كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ » ( 21 : 104 ) ، « قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » ( 10 : 34 ) « أَ وَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ » ( 29 : 19 ) ؟ . فالقادر على البدء - وهو واقع لا مرد له - هو قادر - بأحرى - على الإعادة ، كما هي الموعودة المتوقعة ، وهما متماثلان في جذور الخلق الإنشاء ، مهما اختلفا فيها يختص بكلّ واحد قضية نشأته . إذاً فلكلّ منا ترابه المخصوص به دون الزائد الملحق المدسوس من أجزاء آخرين ، أم أجزاء غير أصيلة في تكوّنه ، فكما أن كلَّا منها خلق من خاصة نطفته أول مرة ، فهو العائد بها مرة أخرى مهما التحق بها ما يعيش كلٌّ معها طول عمره دون فصال ، ولكن الأجزاء الأخرى العائشة معنا ردحاً ومع الآخرين ردحاً آخر أم على طول الخط ، إنها ليست هي