الشيخ محمد الصادقي

274

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

« يَقُولُ يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي » ( 89 : 24 ) : هذا الإنسان الذي عاش حياته الغفلة ، فاستغفل حكمة الابتلاء بالمنع والعطاء ، فغشيت حياته الغفوة والشهوة ، ناسياً قيم الإنسان ، يومئذ يتذكر هذا الإنسان النسيان ، وأنى له الذكرى ؟ فقد مضى عهد الذكرى ، وتصرّم دورها ، وهنا إذ يتذكر يقول كلمته التي تناساها يوم الدنيا : « يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي » : تتجلى له الحقيقة التي كان يقولها قائلوه المرسلون : « إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » ( 29 : 64 ) فما الحياة الدنيا يحنب الأخرى إلّا مماتاً يشبه الحياة ، ولكي يعد الإنسان عدته لأصل الحياة ، فأين حياة من حياة ؟ فهنا دانية فانية ، وهناك عالية باقية ، هنا مزيجة بالموت حالها ، وبعدها الموت ، وهناك خالصة الحياة ، هنا يحكم فيها الفراعنة الجبارون ، وهناك اللَّه الواحد القهار ! « فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذابَهُ أَحَدٌ . وَلا يُوثِقُ وَثاقَهُ أَحَدٌ » ( 89 : 26 ) . فأين عذاب من عذاب ، ووثاق من وثاق ؟ فقد هان ما كان يملكه الخلق من أمره العذاب والوثاق ، وجلّ ما يفعله من له الخلق والأمر ، فلا يعذب - إذاً - عذاب اللَّه أحدٌ ، ولا يوثق وثاق اللَّه أحد ، فلا عذاب ولا وثاق إلا للَّه ، والأمر يومئذٍ كله اللَّه ، يوثق الخلق هناك بوثائق الأعمال دون الآمال : « كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ » ثم يوثق من لا وثاق له ، في حجيم النار : سجن الأخفّاء . « فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ » ( 42 : 11 ) . آية عديمة النظير من محكم القرآن ترجع إليها ما تشابه في كيان الألوهية ، تستأصل كل مماثلة بين اللَّه وسواه ، في ذات أو صفات أو افعال ، تبين خلقه عنه مباينة كينونة في ذات وصفة وفعل ، وأنه باين عن خلقه وخلقه باين عنه ، لا هو في خلقه ولا خلقه فيه .