الشيخ محمد الصادقي
264
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
انما الحساب على اللَّه كما الاياب إلى اللَّه « وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ » ( 6 : 52 ) . وترى كيف يطرد أوَّل العابدين « الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » ؟ وما أرسل إلَّا لدعاء ربه وعبادته ! ونوح وهو أدنى منه محتداً في كل شيء يقول في جواب القول : « أَ نُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ » : « وَما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ . وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ » ( 26 : 114 ) - « وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ . . وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْراً اللَّهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ » ( 11 : 31 ) . لكن « لا تَطْرُدِ » ليست إلّاك « لا تُشْرِكْ » - « لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ » وما أشبه . تدليلًا على أنهم أحرجوا موقفه من المؤمنين الفقراء ، فلا يعنى نهيه إلَّاإيَّاك أعني واسمعي يا جارة ، لييأسوا عن طرده إياهم عساهم لا يطاردونه في عدم طردهم . ذلك ! وهل نزلت في أصحاب الصفة حيث كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يتعاهدهم بنفسه فقيل فيهم ما قيل ، فقال اللَّه فيهم ما قال « 1 » ؟ والسورة كلها مكية ! قد تعني روايات نزولها بحق
--> ( 1 ) . الدر المنثور 3 : 13 - اخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن عمر بن عبداللَّه بن المهاجر مولى غفرة أنه قال : في اسطوان التوبة كان أكثر نافلة النبي صلى الله عليه وآله إليها وكان إذا صلى الصبح انصرف إليها وقد سبق إليها وقد سبق إليها الضعفاء والمساكين وأهل الضر وضيفان النبي صلى الله عليه وآله والمؤلفة قلوبهم ومن لا مبيت له إلَّاالمسجد ، قال وقد تحلقوا حولها حلقاً بعضها دون بعض فينصرف إليهم من مصلاه من الصبح فيتلوا عليهم ما أنزل اللَّه عليه من ليلته ويحدثهم ويحدثونه حتى إذا طلعت الشمس جاء أهل الطول والشرف والغنى فلم يجدوا اليه مخلصاً فتاقت أنفسهم إليه وتاقت نفسه إليهم فأنزل اللَّه « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ . . . » فلما نزل ذلك فيهم قالوا يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله لو طردتهم عنا ونكون نحن جلساءك واخوانك لا نفارقكك ، فأنزل اللَّه : « وَلا تَطْرُدِ . . . » إلى منتهى الآيتين . وفي نور الثقلين 1 : 720 روى الثعلبي بأسناده عن عبداللَّه بن مسعود قال : مر الملأ من قريش على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وعنده صهيب وخباب وبلال وعمار وغيرهم من ضعفاء المسلمين فقال : يا محمد أرضيت بهؤلاة من قومك ، افنحن نكون تبعاً لهم ؛ أهؤلاء الذين منَّ اللَّه عليهم ، اطردهم عنك فلعلَّك إن طردتهم اتبعناك فأنزل اللَّه : « وَلا تَطْرُدِ . . . » وفيه عن تفسير القمي في الآية فإنه ان سبب نزولها انه كان بالمدينة قوم فقراء مؤمنون يسمّون أصحاب الصفة وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله امرهم أن يكونوا في صفة يأوون إليها وكان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يتعاهدهم بنفسه وربما حمل إليهم ما يأكلون وكانوا يختلفون إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فيقربهم ويقعد معهم ويؤنسهم وكان إذا جاء الأغنياء والمترفون من أصحابه أنكروا عليه ذلك ويقولون له : أطردهم عنك ، فجاء يوماً رجلًا رجل من الأنصار إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وعنده رجل من أصحاب الصفة قد لزق برسول اللَّه صلى الله عليه وآله تقدم فلم يفعل فقال له رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : لعلك خفت أن يلزق فقره بك ؟ فقال الأنصاري أطرد هؤلاء عنك فأنزل اللَّه : « وَلا تَطْرُدِ . . . » أقول : لأن الأنعام كلها مكية فليس نزول بعض آياتها بما حصل في المدينة إلَّاتطبيقاً وجرياً ، أو أنها نزلت مرتين . وفيه عن تفسير العياشي عن الأصبغ بن نباتة قال : « بينما علي عليه السلام يخطب يوم الجمعة على المنبر فجاء الأشعث بن قيس يتخطا رقاب الناس فقال يا أمير المؤمنين حالت الحدا بيني وبين وجهك قال فقال علي عليه السلام : ما لي وللضياطرة - العظيم من الرجال لا غناء عندهم - أطرد قوماً غدوا أول النهار يطلبون رزق اللَّه وآخر النهار ذكروا اللَّه فأطردهم فأكون من الظالمين » ؟