الشيخ محمد الصادقي

260

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ » . فإذا لم يكن واقع الهداية بمشيئة الرسول ، وإنما له وعليه الدلالة فحسب ، فأولى بمن سواه ألّا يقدروا على واقع الهداية لأنفسهم ، وإنما يملكون - هم - مشيئة الاهتداء والاستقامة فالذكر ، ثم الرسول دليلهم في مسير الهداية تشريعاً ، ثم اللَّه من وراء القصد يهديهم إلى واقع الهداية تكوينياً ، ف « ما تَشاؤُنَ » : ( تحقق الهداية مشيئة تحقيق توصلكم إلى حق الهداية ) إلا أن يشاء اللَّه ( أيصالًا لكم إياها تشريعياً وتكوينياً ، ولأنه ) رب العالمين » . إذاً فتحقق الاستقامة والهداية ، بحاجة أولًا إلى مشيئة من المستقيم تكوينياً ، ثم مشيئة من اللَّه تشريعياً للدالالة على كيفية الاستقامة والهداية ، ثم مشيئة منه تعالى تكوينياً أن يوفقه ويسهل له الوصول إلى واقع الهداية والاستقامة ، فلما تحققت المشيئتان الإلهيتان تبعتهما مشيئة العبد الأخيرة الملامسة لواقع الهداية والاستقامة ، وكل هذه نجدها في الآيتين : « لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ » : مشيئة أولى للمستقيم « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ » : مشيئة ثانية ، وهي مع واقع الهداية والإستقامة ، ومشيئة تشريعية وتكوينية من اللَّه تتوسطان مشيئة العبد المستقيم - إذاً - فلا جبر في الهداية ولا تفويض بل أمر بين الأمرين ، أمر من اللَّه وأمر من العبد ، لذلك فلتنسب الهداية إلى اللَّه - وأحرى له - وإلى العبد أيضاً لاختياره ، وهذه في الحسنات أن اللَّه يشاء ويدبِّر ويوفق : « يا بن آدم أنا أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيئاتك مني » ذلك لأن اللَّه تعالى لا يشاء السيئة لا تشريعياً ولا تكوينياً ، وإنما لا يجبر العبد على فعل السيئة ولا على تركها ، وله المشيئة التشريعية ألا يعصى ، فإذا خالف أمر اللَّه وشاء المعصية يذره اللَّه تعالى في طغيانه يعمه وفي غيّه يتردد ، إذ لا جبر في ترك المعصية كما لا جبر في فعلها . وبما أن المخاطبين هنا هم المستقيمون ، ومن أصدق مصاديقهم هم الرسل والأئمة المعصومون ، لذلك وردت عن الصادقين أنهم هم المعنيون بالآية كما عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال : إن اللَّه جعل قلوب الأئمة مورداً لإرادته فإذا شاء اللَّه شيئاً شاؤوه وهو