الشيخ محمد الصادقي

259

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

فكما المقوِّم يحب أن يكون مستقيماً ، كذلك المقوَّم ، عليه أن يشاء الاستقامة ويعمل لها : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » ( 30 : 30 ) . فمشيئة الإستقامة تأخذ بالإنسان إليها حيث المقومات من وحي السماء ورسل السماء تترى « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » . « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » ( 81 : 29 ) : هل إن آية المشية هذه تعلق مشيئة الانسان بمشيئة اللّه ، نقول إنها . . . - على احتمال ظاهر بين محتملاتها « 1 » - تخرج الإنسان عن استقلاله في مشيئته ، وتجعله بنى أمرين : « لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين » فلا هو مخيَّر في مشيئته الاستقامة كمفوَّض إليه أمره ، « 2 » ولا هو مسيَّر في أمره ، وإنما هو بين مشيئتين : من اللَّه ومن نفسه : فمن نفسه : أنه يختار ويشاء الاستقامة بما جعله اللَّه مختاراً ، ومن اللَّه ان يوفقه للوصول إلى ما يشاء من الاستقامة ، فلو لا توفيق من اللَّه لم تكن مشيئة الإنسان - أياً كان - لتوصله إلى واقع الاستقامة فالتذكر بذكر القرآن ، « وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ » و « ما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ » « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ

--> ( 1 ) . واحتمال آخر : وما تشاؤن استقامة إلا أن يشاء اللَّه ذلك الاستقامة ، فليست مشيئة اللَّه لتحقيق الاستقامة والهدآية إلا بعد مشيئة العبد وهذا عكس الاحتمال الأول إذ كانت المشيئة الإلهية فيه هي السبب لمشيئة العبد المحققة للاستقامة والهدآية . ومشيئة العبد مشيئتان : مشيئة أولى في البدآية ، وثانية لتحقيق الغاية ، ومشيئة اللَّه كذلك هنا في مرحلتين : تشريعية وتكوينية ، فمالم تكن الأولى لم تتحقق المشيئة الثانية للعبد لعدم الدلالة ، وما لم تكن الثانية لم تتحقق كذلك لأمرين في الخير وأمر واحد في الشر ، يزيد الخير على الشر في مشيئة التوفاق ويشتر كان في عدم تحقق المراد إلا بإرادة اللَّه التي هي آخر المطاف في أسباب تحقق الغاية . ( راجع كتابنا حوار بين الآلهيين والماديين في الأمر بين الأمرين ) ( 2 ) . ويشهد له ما أخرجه ابن أبي حاتم وابن مروديه عن أبي هريرة قال : لما نزلت « لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ » قالوا : الأمر إلينا إن شئنا ، وإن شئنا لم نستقم ، فهبط جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : كذبوا يا محمد ! « وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » ففرح بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله . وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر عن القاسم بن محيمر قال : لما نزلت « لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ » قال أبو جهل أرى الأمر إلينا فنزلت الآية ، الدر المنثور 6 - 22 . أقول فالآية كما حققناه تعني نفى التفويض في الأمر كما الأولى تدل على نفي الجبر ، فليس إلا أمر بين أمرين