الشيخ محمد الصادقي
222
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
« أَوْ أَدْنى » فقد انمحى قوس الامكان ، وتدلى بقوس الرحمان ، فأصبح : « وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى » . « 1 » وكما يروى عنه صلى الله عليه وآله : « قرَّبني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى » . « 2 » فالتدلّي هو التعلق ، فقد يكون مشوباً وقد يكون محضاً خالصاً ، وصاحب المعراج بعد أن دنى إلى اللَّه خالصاً ، كذلك تدلى باللَّه خالصاً ، متناسياً ما سوى اللَّه وحتى نفسه ، متحللًا متخلياً عن الكائنات إلى رب الكائنات ، وهذا هو الفناء في اللَّه ، أن يصبح العبد كأنه لا شيء ، أو انه لا شيءو يرى ربه انه الشيء وليس سواه شيء ، هذا ! لا الذي يدعيه من يتسمّون أرباب الكشف والشهود ، ان الفناء في اللَّه هو ان يصبح العبد إلهاً من شدة قربه أو خلطه بربه ، كما يصبح الفحم ناراً إذ تشمل كيانه كله ، وهذا إلحاد في اللَّه ، ترفيعاً للعبد إلى درجة الألوهية ، وتنزيلًا للرب إلى منزلة المعبودية ! . وإنما الحق شعور العبد في سيره إلى اللَّه انه لا شيء ، ثم التدلي باللَّه وهو مقام أو أدنى ، فكما اللَّه أدنى الينا منا علمياً وقيومياً ، فلنكن نحن أقرب اليه منا إلى أنفسنا ، وهذه المرحلة من العرفة لا تتيسر إلا لصاحب المعراج محمد صلى الله عليه وآله . لقد كان الرسول صلى الله عليه وآله - وقبل معراجه - أقرب المقربين إلى اللَّه ، لا يحجب بينه وبينه حجاب وهو في الأرض ، إلّاأن طبيعة الحال تقتضى في معراج هكذا ، والى الأفق الأعلى ، واضعاً قدميه على كاهل الكون ، تاركاً ما سوى اللَّه تحت قدميه وبقالبه ، بعد أن كان تاركاً لها بقلبه ، منعزلًا وحتى عمن ارسل إليهم ، إن هذه الحالة التجردية تقتضى أن يكون هناك من ربه قاب قوسين أو أدنى ، دون أن يبقى أي حجاب وحتى حجب النور : من صحبة المرسل إليهم ، ومن ممارسته حاجيات الأرض ، ومن نفسه المقدسة ، حيث خرقها كلها متناسياً لها ، فاتصل بمعدن العظمة فرأى ما رأى ، من آيات ربه الكبرى « 3 » ولو أن بقيت هذه
--> ( 1 ) . ان الآية من اللف وانشر المرتب ، فكان قاب قوسين إذ أدنى ، أو أدنى إذ تدلى ، ف « أو » هذه للترتيب ، لا الابهام أو التشكيك ( 2 ) . تفسير روح البيان لإسماعيل حقي ج 9 : 216 . ( الفرقان - م 26 ) ( 3 ) . علل الشرايع عن زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام سئل عن اللَّه جل جلاله هل يوصف بمكان ؟ فقال : تعالىعن ذلك ، قيل : فلم أسرى بنبيه صلى الله عليه وآله إلى السماء ؟ قال : ليريه ملكوت السماوات وما فيها من عجائب صنعه وبدائع خلقه ، قيل : فقول اللَّه عز وجل : « ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى . . . » قال : ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وآله دنى من حجب النور فرأى من ملكوت السماوات ثم تدَّلى فنظر من تحته إلى ملكوت الأرض حتى ظن أنه في القرب من الأرض كقاب قوسين أو أدنى . أقول : ذيل الحديث مردود إلى راويه أو يؤول إلى ما يناسب الدنو إلى اللَّه والتدلي باللَّه ، وعلَّ منه ان ذلك الدنو والتدلي كشف له ملكوت السماوات والأرض كما كشف له عن المحجوب من غيب معرفةاللَّه ، الممكن كشفه - تأمل