الشيخ محمد الصادقي
221
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
« قرَّبني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى » « 1 » وفي هذه الحالة التجردية « رفع له حجاب من حجبه » « 2 » وهو الحجاب الأخير الممكن رفعه ، وبقي حجاب ذات اللَّه سبحانه وتعالى ، المستحيل رفعه لمن سوى اللَّه . فهنالك دنو ، ثم تدل ، ثم وحي ، وأهم من كل ذلك رؤية اللَّه : أقرب القرب اليه معرفياً : دعائم اربع تدعم مكانة صاحب المعراج ، وتتبنى كيانه الروحي لأعلى الدرجات المعرفية باللَّه ، حيث لا خبر عنه لا لملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، فإنها من خصائص صاحب المعراج ! وكما تتبنى سفرتهالفضائية لمنتهاها حيث رأى من آيات ربه الكبرى : « ثُمَّ دَنا » ان خرق كافة الحجب الظلمانية والنورانية ، وبينه وبين ربه ، وخرق حجاب الصحبة بما سوى اللَّه ، إذ عرج عنها بقالبه كما كان عارجاً بقلبه ، فلم يبق هنالك أي حجاب اللهم ألا مجال لصحبة غير اللَّه ، والانس بما سوى اللَّه ، ومثاله في دنّوه هذا : « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ » فان الحليفين من العرب كانا إذا أرادا عقد الصفاء الخالصة خرجا بقوسيهما فألصقا بينهما ، يعنيان بذلك أن لا شيء هنا يفصل بينهما ، فهما متحدان في كل مقصد ومرمى . وكما أن القوسين المتلاصقين يشكلان قاباً وملتقى واحداً ، كذلك الرسول صلى الله عليه وآله في دنوه هذا إلى اللَّه لصق قاب قوسه بقاب قوس ربه ، فتلاصق القوسان : قوس الوجوب وقوس الامكان في قاب واحد ، لا يحول بينهما حائل من جانب الإمكان إلا عجزه عن اكتناه ذات اللَّه ، ولاحائل من جانب الوجوب إلا حجاب ذات الألوهية الذي لن يرتفع ، اللهم وإلا حجاب ذات النبي صلى الله عليه وآله وقد ارتفع ايضاً إذ تدلى : « فَتَدَلَّى » : بيني وبينك إنِّي يناز عني . فارفع بلطفك إنّييي من البين ، إنه بعد أن دنى هكذا إلى اللَّه ، تدلى ايضاً باللَّه فكان مثاله من القوسين :
--> ( 1 ) . روح البيان ج 9 : 219 عنه صلى الله عليه وآله ( 2 ) . علل الشرايع عن الإمام موسى بن جعفر في حديث طويل : فلما أسري بالنبي وكان من ربه كقاب قوسين أوأدنى رفع له حجاب من حجبه