الشيخ محمد الصادقي
216
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
هذا الإيحاء إلّاذلك التعليم : فمن المستحيل هنا أن يكون شديد القوى هو جبرئيل . ثم لا نرى تصريحاً في القرآن ولا تلويحاً أن جبرئيل كان معلم الرسول صلى الله عليه وآله . وإنما نازلًا بالوحي إلى قلبه المنير نجوماً طوال البعثة ، بعد الوحي المحكم النازل عليه ليلة القدر دون وسيط : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ » ( 26 : 194 ) ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، وكما الرسول محمد صلى الله عليه وآله كان أفقه من جبرئئل ، وكما عنه صلى الله عليه وآله : « روح القدس في الجنان الصاغورة قد ذاق من حدائقنا الناكورة » ثم ولم يكن نزوله بالوحي المفصل لحاجة ذاتية من الرسول إلى الوسيط ، وهو أفضل من موسى الذي أنزلت عليه التوراة دون وسيط ، وإنما ليثبت الذين آمنوا : « قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ » ( 16 : 102 ) وإنما يحصل بالتنزيل النزول التدريجي : الوحي المفصل ، لالحاجة الرسول إلى الوسيط ، كيف ولم يحتج إليه في الوحي المجمل إذا عرج به إلى العرش ! وإنما لتثبت الذين آمنوا على أنه بشر رسول ، فلا يقولوا فيه ما قيل في المسيح عليه السلام . ترى أن الوسيط في رسالة إلى رسول - وإن كان يعلم شيئاً منها أو يعلمها كلها - إنه معلم للرسول ؟ أم رسول إلى الرسول ، ثم لكلٍ كيانه ، فقد يكون الوسيط أدنى من الرسول كجبريل بالنسبة لمحمد صلى الله عليه وآله وقد يكون أعلى ، كالرسول بالنسبة للمرسل إليهم أجمع ، وقد يكونان على سواء ، وكما قد لا يعرف الوسيط شيئاً عما أرس له ، فليكن شديد القوى هو اللَّه لا جبرئيل . ثم لو كان جبرئيل كمعلم للرسول صلى الله عليه وآله ! شديد القوى ، فهلّا يكون اللَّه أيضاً شديد القوى ؟ وهذه تسوية بين اللَّه وخلقه في شدة القوى ، والكل بجنبه ضعفاء فقراء أخفّاء ، اللهم إلّا « ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ . مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ » سواء أفسَّرته بمحمد الأمين وهو الحق ، أم فسّرته يجبريل الأمين وليس به « 1 » ولو كان ، فكيف هو مرّة شديدة القوى كما اللَّه ، وأخرى ذو قوة كعبد اللَّه ، وبينهما من البون ما ترى ! . 7 - ونرى في أحاديثنا أن اللَّه تعالى يوصف بشديد القوى دون خلقه « 2 » فكيف لخلقه أن
--> ( 1 ) . راجع ج 30 ، ص 167 - الفرقان في تفسير الآيات « إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ . . . » ( 2 ) . علي بن إبراهيم القمي في تفسيره نقلا عن الإمام عليه السلام « عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى » يعنى اللَّه عز وجل . وفي نهجالبلاغة عنه ، وفي دعاء الندبة « فأغث يا غياث المستغيثين عبيدك المبتلى واره سيده يا شديد القوى » . وفي دعاء آخر « يا شديد القوى ويا شديد المحال » . هذا ولم يوجد وصف غير اللَّه - جبرئيل أم سواه - بهذا الوصف في اي حديث اطلاقاً - اللهم إلا في أقاويل جماعة من المفسرين دون اي برهان