الشيخ محمد الصادقي

188

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

ولا تتقيد « سبحان » بزمان دون زمان وإلَّافلا سبحان ، ف « سبحان » في كل مجالاتها تنزيه للَّه عما يمس من كرامة ألوهيته وربوبيه ، كما و « تُبْتُ إِلَيْكَ - وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » هما الأُخريان من آيات استحالة تلك الرؤية بصراً أم بصيرة . ذلك ولقد حاول بمختلف المحاولات أن يجعلوا هذه الرؤية التي تطلَّبها موسى إدراكاً بالبصر أم بالبصيرة ، دون إبقاء لكيان من المدرك إلّاأن يدركه . فمن قائل غائل إن اللَّه لا يعجزه أمر لمكان قدرته الطليقة الحقيقة لإجابة أي أمر وسؤل ، فهنا « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » له جانبان اثنان ، أرني بترفيعي إلى مكانة الرؤية ، أم تنزيلك إلى مكانتي في الرؤية ، وهما مستحيلان ذاتياً أو نسبياً ، ففي الرؤية البصرية يعني الترفيع التجريد الطليق عن حالة الإمكان لكي يتمكن من رؤية المطلق ، ويعني التنزيل تجريده عن التجرد حتى تتسنى الرؤية قضية المجانسة في الجسمانية والمحدودية ، وفي الرؤية المعرفية القمة أن يترفع إلى تلك القمة أو يتنزل ربنا إلى هذه المحدودية المعرفية ، فالأول مستحيل نسبياً ما دام موسى هو موسى ، والثاني مستحيل ذاتياً إذ لا يتغير ربنا سبحانه وتعالى بأي غيار وبأي معيار . ذلك وكافة المحاولات الفلسفية أو العرفانية هي محاولات خرفانية إلّاما أشرنا إليه على ضوء الآية وما يفسرها من آيات . وفي حقل المعرفية القمة التي هي مرغوبة لكل عارف « لَنْ تَرانِي » هي كلمة واحدة لكافة المقربين إلّاخاتم النبيين وأول العارفين والعابدين محمد صلى الله عليه وآله وقد يروى أنه « لما قال موسى عليه السلام : « أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » كشف الحجاب وأبرز له الجبل وقال أنظر فنظر فإذا أمامه مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي محرمين ملبِّين كلهم يقول : « أرني أرني » ( 43 ) وفي الحديث « ما رأيت شيئاً إلَّاوقد رأيت اللَّه قبله وبعده ومعه وفيه » ( 44 ) و « لم أعبد رباً لم أره » « لم تره العيون بمشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان » « . . وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين تعالى اللَّه عما يصفه المشبهون والملحدون » ( 45 ) و « كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله هكذا نظر إلى ربه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجب حتى يستبين له ما في الحجب »