الشيخ محمد الصادقي
189
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
( 46 ) . ذلك ، وفي نظرة أخرى إلى الآية « قالَ رَبِّ » لمحة لاستدعاء ما لم يصل هو إليه وليس يصله بنفسه فاستدعاه تعالى أن يُنعم عليه في تلك الرؤية المعرفية بنعم . ثم « أَرِنِي » دون متعلَّق من « نفسك وما أشبه » تحاشٍ أدبي أمام ربه سبحانه ، وكأنه يستدعيه ما يراه صالحاً من درجات الرؤية غير الحاصلة له ، وكما يراه ربه . ومن ثم « أَنْظُرْ إِلَيْكَ » رباً ، نظراً يناسب محتدك الربوبي ، فقد يقرب أنه ك « ناضِرَةٌ » في « وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ . إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ » نظرة بوجه القلب الفؤاد . وحين يؤنَّب نوح عليه السلام بعرضه : « رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ » عرضاً - ولمّا يسأل - بقوله تعالى : « إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ » ولا يؤنب موسى بسؤاله الرؤية ، فقد نتأكد قطعياً أنه لم يكن سؤالًا محظوراً في أصله ، مس من كرامة ربه ، وإنما سأل فوق قدره ، فأجيب بمثال فوق تحمل الجبل . ذلك ، والرؤية هي أعم من رؤية البصر ، بل البصيرة فيها أحرى لأنها أكمن وأقوى ك « لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » ( 12 : 24 ) و « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى » ( 53 : 11 ) « وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا » ( 7 ، 149 ) . وعلى أية حال لأن الرؤية هي الإدراك أو ما دونه وهما يعمّان رؤية البصر والبصيرة ، لذلك ليست لتختص برؤية البصر ولا رؤية البصيرة اللّهم إلّابقرينة ، ولأن إفراد النص « أَرِنِي » دون « أرنا أو - أرهم » يرينا أن موسى عليه السلام إنما تطلَّب الرؤية لنفسه ، فقد نتأكد أنها كانت رؤية معرفية بصيرة ، دون المعاينة بصراً ، إذ لو كانت بصراً لكان يجمع : « أَرِنا » حيث الأصل في ذلك التطلبة الحمقاء هم قومه دونه ، أم وإذا شملت الرؤية البصرية فلماذا سألوها وأذن اللَّه ، وإنما أفرد لكي يعرفوا بسلبيتها عن نفسه سلبها عنهم بأحرى ، ولقد كان سؤال الرؤية البصرية بإذن اللَّه حملًا عليه ثقيلًا عله أثقل من حمل ابتلاء إبراهيم بذبح ولده إسماعيل . ذلك ، وهنا « أَرِنِي » دون « أرنا - أو - أرهم » كما بينا ، تجعل الأصل في السؤال الرؤية