الشيخ محمد الصادقي
184
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
إذ « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ » فالهرطقات الغائلة القائلة أن « وعده اللَّه أن يقعد في موضع ليراه » « 1 » وما أشبه ، هي مضروبة عرض الحائط لمضادتها نصوص الكتاب ودليل العقل والفطرة . « وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ » جبل الطور وهو مهبط الوحي ومحطِّه « فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ » بتجلي الرب له في قدرة وقوة لا يتحملها « فَسَوْفَ تَرانِي » في تجلي المعرفة القمة التي لا تتحملها وهنا « فَسَوْفَ » في معاكسة الأمر تسلب تلك الرؤية في طليق المستقبل في الأولى والأخرى وإلا أن الصحيح « فستراني » أو « تَرانِي » . « فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ » ما لا يتحمل « جَعَلَهُ دَكًّا » « 2 » لا يستقر مكانه حيث تمزق وتفرق أيادي سبا ، وبالنتيجة « وَخَرَّ مُوسى » من الموقعة القارعة « صَعِقاً » خرّ مغشياً عليه ولم يمت إذ ليس الصعقة هي الموت ، ثم هو الذي قال لما أخذتهم الرجفة « لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ » ( 4 : 153 ) وذلك رغم أن التجلي كان للجبل دونه « فَلَمَّا أَفاقَ » عن صعقته ، والإفاقة ليس إلا عن الغشوة والخروج عن الوعي دون الموت ، فمهما استعملت الصعقة أحياناً في الموت ولكنها هنا الغشية دون الموت ، وكما قال : « لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ » ، « قالَ سُبْحانَكَ » أن تُرى بعين البصر ، أم أنترى بعين البصيرة فوق ما أتحمل « تُبْتُ إِلَيْكَ » عما
--> ( 1 ) . كما في نور الثقلين 2 : 63 عن تفسير العياشي عن أبي بصير قال سمعت أبا عبداللَّه عليه السلام يقول : إن موسى بنعمران عليه السلام لما سأل ربه النظر إليه وعده اللَّه أن يقعد في موضع ثم أمر الملائكة أن تمر عليه موكباً موكباً بالبرق والرعد والريح والصواعق فكما مر به موكب ومن المواكب إرتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيسأل : أفيكم ربي ؟ فيجاب : هو آت وقد سألت عظيماً يا بن عمران ( 2 ) . نور الثقلين 2 : 66 عن كتاب التوحيد حديث طويل عن أمير المؤمنين عليه السلام يقول فيه - وقد سأله رجل عمااشتبه عليه من الآيات - وسأل موسى عليه السلام وجرى على لسانه من حمد اللَّه عزَّوجلّ : « رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ » فكانت من منزلته تلك أمراً عظيماً وسأل أمراً جسمياً فعوقب فقال اللَّه تبارك وتعالى : لن تراني في الدنيا حتى تموت فترانى في الآخرة ولكن ان أردت أن تراني في الدنيا فانظر إلى الجبل فتقطع الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني ، فأبدى اللَّه سبحانه بعض آياته وتجلى ربنا للجبل فتقطع الجبل فصار رميماً وخر موسى صعقاً ثم أحياه اللَّه وبعثه فقال عليه السلام : « سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » يعني أول من آمن بك منهم أنه لن يراك ، أقول : هذا الحديث مخدوش في مواضيع عدة منها « فعوقب » كأنه سأل الرؤية البصرية ، فلو سألها وكان عصياناً فكيف وعده أن يراه في الآخرة ؟ وكذلك موت موسى عليه السلام