الشيخ محمد الصادقي

185

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

سألت « وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ » بك أنك لا ترى . وهذه الأوّلية ليست زمنية ، بل هي في المكانة الإيمانية - ولأقل تقدير - بالنسبة لمن يعيشهم ، ثم ومن قبله دون من بعده ، إذا إن محمداً صلى الله عليه وآله هو « أَوَّلُ الْعابِدِينَ » على الإطلاق ، ولو كان موسى أول المؤمنين في مثلث الزمان لكان يريه ربه نفسه في حقل المعرفة القمة وأحرى من محمد صلى الله عليه وآله ! ولكن أين موسى عليه السلام من محمد صلى الله عليه وآله وهو الرسول إلى الرسل أجمعين . فاللَّه تعالى يتجلى بقدرته لخلقه قدر ما يتحملون ، فإن تجلى فوقه فدكّاً دكّاً ، ولكنه يتجلى بآياته وكما يروى عن النبي صلى الله عليه وآله : « فتجلى لخلقه من غير أن يكون يرى وهو بالمنظر الأعلى » : « 1 » منظر البصر ، فهو أعلى من أن ينظر إليه على الإطلاق ومنظر البصيرة الأعلى وهو المعرفة القمة العليا الخاصة بمحمد صلى الله عليه وآله . « 2 » أجل ، إن اللَّه متجلٍّ ، لخلقه قدر المقدور له والمقدر لباقة ولياقة في مسالك المعرفة ، ثم التجلي القمة خاصة بمحمد صلى الله عليه وآله وذويه من بعده . ذلك ، فسؤال الرؤية البصرية لذات اللَّه ليس إلَّامن أجهل المجاهيل بكيان الألوهية ، فالذي « لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ف « لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ » كيف بلإمكان أن يري نفسه للأبصار ، إلا بتحويل الإله المجرد عن كيانه إلى كيان خلقه ، أم تحويل خلقه إلى كيانه لتتسنى الرؤية بتلك المماثلة . وحين لا تحس أية حاسة أيَّ محسوس إلَّاما يساميه أو يساويه في حقل الإحساس ، فلا يحس الطعم باللَّاسمة ولا يلمس بالباصرة ولا يبصر بالسامعة ، ولا يسمع بالباصرة ، فكيف يرجى أن يحس أو يمس أو يجس غير المحسوس بأحد من الحواس الخمس ، في أيّ من عوالم الوجود . ولأن المستحيل ذاتياً لا تتعلق به القدرة فلا يمكن أن يري اللَّه نفسه رؤية البصر ، اللَّهم إلا رؤية البصيرة المستطاعة لمن يبصر .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 3 : 231 روي عن ابن عباس ( 2 ) . التوحيد عن الإمام الصادق عليه السلام