الشيخ محمد الصادقي

176

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

« وجوههم » فالوجوه هنا وهناك تعم وجه العقل والصدر والقلب والسر والخفي والأخفى ، اصالة ، ثم الوجه الظاهر إذ تلوح عليه نضارتها ، فالوجوه الستة الباطنة قد تشترك كلها في هذا النظر المجرد « لا كيف ولا حدود ولا صفة » فتضرب معرفة اللَّه ومحبته إلى أعماق الذوات المؤمنة ، ثم تتحقق في نظر البصر ايضاً ، لحد يتحقق صاحبه بما قاله الإمام الصادق عليه السلام : « ما رأيت شيئاً إلا وقد رأيت اللَّه قبله وبعده ومعه وفيه » قبله بأزليته ، وبعده بأبديته ، ومعه بقيوميته وعلمه ، وفيه بآيات حكمته وقدرته ، فتصبح ذاتك كلها عيناً لا تنظر إلا إلى الرب ، كلٌّ حسب ما قدمته نفسه وسعى ، ف « الطرق إلى اللَّه بعدد أنفاس الخلائق » . فكل حجاب ، هيلولة عنه تعالى ، فبقدر ما أزيلت حجب العصيان هنا ، تزال حجب المعرفة والرحمة هناك ، ثم حجب النور كذلك تزولان لمن أنكر ذاته ، وأصبح كله نظراً ومعرفة لربه كالرسول الأقدس محمد صلى الله عليه وآله « فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى » . فيا للنضارة والنظر إلى الرب هكذا ، من نعمة يعجز الإدراك عن تصورها ، إذ تتضاءل إلى جوارها الجنة بما فيها ؛ وما لها تنضّر ؟ وهي إلى ربها تنظرة ! نظر البصيرة بنور اليقين ، ونضارة المعرفة والرحمة بلقاء الرب الكريم . وإن ارتقاء الكينونة الانسانية وانطلاقها من قيود الهوى ، ومن هذه الكينونة الأرضية ، هو فقط محط الرجاء في التقاءها بهذه النضارة والنظرة . ثم الوجوه الباسرة هي التعيسة ، المتقبضة الكالحة القاطبة ، والمحرومة عن كل نضارة ونظرة « كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ » ( 83 : 15 ) بما ارتكست في حيوانية الحياة ، وانطمست وانغمرت في الشهوات ، فحجبت عن ربها بما حجبت نفسها . « تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ » : الكارثة القاصمة الظهر ، المحطَّمة الفقار ، تظن ظن اليقين بما قدمت لأنفسها ولات حين مناص ! .