الشيخ محمد الصادقي
94
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
تأتى « فَطَرَ » بمشتقات لها في آياتها العشرين ، وما اتت « فِطْرَتَ اللَّهِ » الّا في هذه اليتيمة المنقطعة النظير ، مهما نجد الكثير من احكام الفطرة كما هنا في الآية ( 33 ) ثم وأشباهها في سائر القرآن . لذلك فحقٌ لها ان تنفرد ببحث فذٌّ وقولٍ فصل ، تحوم حولها كافة البحوث حول الفطرة وميزآتها وأحكامها ، حيث تظهر في مسارح البراهين كاقوى برهان يصدع به القرآن ، حيث لا تقف له القلوب ، ولا تملك ردّه النفوس ، تلك الحجة البالغة التي تتبناها الفِكَرَ والعقول ، ومن ثم كافة الرسالات الإلهية في كل الحقول ، ولولاها لسقطت الحجج عن بكرتها ، وتساقطت البراهين عن برهنتها ، ولأنها أعمق الآيات الأنفسية واعرقها ، حيث تتبناها سائر آياتها ، كما تتبناها الآيات الآفاقية كلها . فالفطرة هي رأس الزاوية من مثلث الانسانية بدرجاتها ، ثم الزاوية العاقلة تتبناها وتتكامل على أُسّها وأساسها ، ومن ثم الثالثة : الشرعة الإلهية هي صبغتها الكاملة السابغة . الانسان اياً كان حين يفقد العقل - / وبطبيعة الحال يفقد الشرعة المتبنيِّة للعقل - / ليس ليفقد الفطرة على أية حال ، حال أن العاقل قد يفقد الشرعة ويضل عنها ، فالفطرة حجة ذاتية لا تتخلف ولا تختلف في أصحابها ، ثم العقل تستبطنها وتستنبطها وتوسِّع مدلولها ، ومن ثم الشرعة الإلهية ترشدهما إلى تفاصيل مجهولة لديهما ، وتكملهما جملة وتفصيلًا ، فالفطرة حجة اجمالية بسيطة ، والعقل حجة متوسطة وسيطة ، والشرع حجة موسَّعة محيطة ، تصل بهما إلى أعلى معاليهما « 1 » هنا « فِطْرَتَ اللَّهِ » ذات نسبتين وأربع صفات ، نسبة إلى الله : « فِطْرَتَ اللَّهِ » وأُخرى إلى الناس : « الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » وقد احتفتها اربع صفات :
--> ( 1 ) - / الدين واحد والشرعة هي عدة متشرعة عن الدين الواحد ، ثم الدين أصله دين الفطرة ومن عمالها العقل ، ثم أقوى منهما دين الوحي المخطىء للعقل والمكمل لأحكام الفطرة وقد زُوِّد به آدم عليه السلام إذ لم تشرع له شرعة تفصيلية . ثم المرحلة الثالثة من الدين هو دين الشرعة ، المحتفظ بأحكام الفطرة ، المقررة باثبات الواجبات والمحرمات ، والمفرع لكلٍّ شرعة ومنها جهاحسب الحاجيات الوقتية حتى الشرعة الأخيرة التي هي الدين كله بكل التفاصيل الخالدة . فأول نبي بعث بشرعة من الدين هو نوح وآخرهم الرسول الخاتم محمد صلى الله عليه وآله