الشيخ محمد الصادقي

95

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

« لِلدِّينِ حَنِيفاً » قبلها و « لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ » بعدها . فنسبة الفطرة إلى اللَّه توحى بأنها ليست الّا من صنع الله ، لا صنع ولا تأثير ولا تبديل فيها لغيرِ الله ، كيف وهى - / فقط - / خلق اللَّه و « لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ » فهي وحى تكويني إلى أعمق اعمال ذوات الناس ، كظرفٍ صالح للوحي التشريعي ، وهنا التطابق التام بين كتابي التكوين والتشريع بحق الناس ، فالتشاريع الإلهية كلها تفاسير وتفاصيل لها أجملت في الفطرة ، لذلك فالحق يقال : ان دين اللَّه فطرى إذ يتبنَّى الفطرة ، ومؤلف الكتابين خلقةً وشِرعةً هو اللَّه الواحد القهار ! ومن ثم نسبة الفطرة إلى الناس - / وبهذه الصيغة السائغة - / « فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » توحى أنها الأصل والناس فرع عليها ، فكما النطفة هي أصله في البُعد الجسماني ، كذلك الفطرة هي أصله في بعده الروحي الانساني . أم انَّ « عليها » ايحاءٌ بأن الفطرة ليست مجعولة بجعل ثانٍ بعد الروح ، بل هي مجعولة بجعل الروح ، وعلَّ الأول أوحى حيث يتضمن أصالتها والروح فرع لها وان كانا مجعولين بجعل واحد ، بل هما أصلًا وفرعاً واحد إذ لا يتفارقان . وقد أمرنا بإقامة الوجه لها رخاءً ولا نكون من المشركين هنا ، وبصيغ أُخرى كما في غيرها : « فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ » ( 30 ) « وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » ( 10 : 105 ) « أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » ( 12 : 40 ) وهنا عرفات سبع تصد عن جهالات سبع ، تحملها آية الفطرة بمواصفاتها الست ، فرضاً لمنطلق الدعوة : الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله « فَأَقِمْ وَجْهَكَ . . » والى الناس أجمعين كضابطة سارية تعم كافة المكلفين : « فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » . والصاروخ الرَكوب ، المنطلَق به بينها في هذه الرحلة للطائر القدسي الانساني هو « فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » وسائر السبع زاده في طريقه الشاقة الطويلة المليئة بالأشلاء والدماء .