الشيخ محمد الصادقي
388
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
ناشىء عن البدن نفسه ، مهما كان منفوخاً فيه « وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ » ( 32 : 9 ) فتربية البدن تخليصاً منه - / صفوة مختارة وسلالة صافية غير كدرة - / هي انشاءه خلقاً آخر . فالانسان قبل نفخ الروح خلق وهو بعد نفخة خلق آخر ، مهما كان منشأً عن الأول ، كما أن الحطب قبل حرقه خلقٌ ، وبعده - / حيث يتحول ناراً ودخاناً - / هو خلق آخر ، والمادة نفس لمادة الا في الصورة المتحولة . اذاً فليس الروح مجرداً عن المادة ، فلا هو روحانية النشأة ولا روحانية البقاء ، بل هو جسمانية نشأةً وبقاءً مهما اختلفت حالاته وتصرفاته وخاصياته عن البدن الميت . اذاً فشعوره دون البدن ، وبقاءه دون البدن ، وسائر ميزاته دون البدن لا يدل على شئ الا انه ليس هو البدن أو جزأً عادياً من البدن ، بل هو صفوة مختارة وسلالة منسلَّة عن البدن ، وعلَّ عقله سلالة عن مخِّه وصدره عن صدره وقلبُه عن قلبه ، وسائر أبعاضه عن سائر أعضاءه حسب المناسبات والتجاوبات « 1 » . « فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ » ( 17 : 14 ) وكيف هو أحسن الخالقين و « هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ » حتى يكون هو أحسنهم ؟ علّه يعنى فيما يعنى : لو أن هناك خالقين فهو أحسن الخالقين « أَ تَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ » ( 37 : 125 ) فلو ان بعلًا خالق فالله هو أحسن الخالقين ! . أو يعنى من جمع الخالقين خالقياته المختلفة حسب اختلاف الكائنات فقد جعل أحسنها في الانسان « لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ » ( 95 : 4 ) « وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا » ( 17 : 7 ) أم ان الخلق في هذا الجمع أعم من حق الخلق ، ومجازه ككل صنع ، فهو اذاً أحسن الخالقين ، وقد نسب الخلق بهذا المعنى الطليق إلى الخلق « وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً » ( 29 ، 17 ) كما نسبه إلى المسيح مقيداً له باذنه « وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي » ( 5 : 110 ) « 2 »
--> ( 1 ) - / لتفصيل البحث حول الآية وآية الروح راجع تفسير سورة الاسرى عند « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ » . ( 2 ) - / نور الثقلين 3 : 541 في كتاب التوحيد باسناده إلى الفتح بن يزيد الجرجاني عن أبي الحسن الرضا عليه السلام حديث طويل وفيه : قلت جعلت فداك وغير الخالق الجليل خالق ؟ قال : ان اللَّه تبارك وتعالى يقول : تباركأحسن الخالقين « منهم عيسى بن مريم عليه السلام خلق من طين كهيئة الطير باذن اللَّه فنفخ فيه فصار طائراً باذن اللَّه والسامري اخرج لهم عجلًا جسداً له خوار .