الشيخ محمد الصادقي
309
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
ولسنا نعرف من اسماءِه معاني ايجابية كالتي نألفها ونعرفها لأنه باين عن خلقه وخلقه باين عنه ، وانما نعنى نفى مقابلاتها وهو تسبيح بالحمده فلا الحمد والتوصيف فقط ، ولا التسبيح فقط ، وانما تسبيح بالحمد يعنى نفى المقابلات للصفات الثبوتية ، واذاً فالصفات الإلهية كلها سلبية مهما اختلفت سلبية سالبة عن سلبية موجبة في تحبير اللغات . « قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا » ( 17 : 110 ) الجهر والخفاف وصفان متضايفان ، أترى بعدُهما مطلقاً منهيان ، والنتيجة ألّا تصلى اصلًا ، حيث القراءة لا تخلوا عن جهرٍ ما أو اخفاف ! أم المنهى عنه من الجهر أعلاه ومن الاخفاف أدناه ؟ ولكنه هو السبيل الوسط المأمور به « وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا » ! فلا سبيل وسطاً في قراءة الصلاة الّا عواناً بين عالي الجهر ودانى الاخفاف . فالجهر المأمور به في جهرية الصلوات ، والاخفاف المأمور به في اخفاتيتها هما في السبيل الوسط ، جهر دون العال واخفاف فوق الدان ، فقد يُخفِت لحدٍّ لا يسمع نفسه بأدنى اذن ؟ فلا ! أو يجهر لحد يسمع البعيدين عنه في أعلى الجهر ؟ فكذلك لا « 1 » ، بل « وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا » و « الُمخافتة ما دون سمعك والجهر ان ترفع صوتك شديداً » « 2 » ولماذا الجهر العال في صلاتك ؟ ألتُسمع ربك ؟ وهو أقرب إليك من حبل الوريد : و « فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى » أم تُسمع المؤمنين معك ؟ فلا عليك الّا السبيل الوسط « 3 » . أم ولتسمع الكافرين ؟ وهم بسماعهم أو استماعهم يؤذونك ! « 4 »
--> ( 1 ) - / العياشي عن سليمان عن أبي عبد الله عليه السلام في الآية قال : الجهر بها رفع الصوت والمخافتة ما لم تسمع أذناك . ( 2 ) - / نور الثقلين 3 : 233 ح 476 في الكافي عن سماعه قال سألته عن قوله اللَّه عز وجل « وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها » قال . . . . ( 3 ) - / المصدر ح 477 القمي عن عبد الله بن سنان قال قلت لأبى عبد الله عليه السلام : اعَلى الامام ان يُسمع مَن خلفه ، وان كثروا ؟ قال : ليقرء قراءة وسطاً يقول اللَّه تبارك وتعالى : « وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها » . ( 4 ) - / تظافرت الرواية عن طريق الفريقين انه « كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إذا كان بمكة جهر بصوته فيعلم بمكانه المشركون فكانوا يؤذونه فأنزلت هذه الآية « نور الثقلين عن العياشي » عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام . وفي الدر المنثور 4 : 206 - / اخرج سعيد بن منصور واحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حابن وابن مردويه والطبراني والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال : نزلت ورسول الله صلى الله عليه وآله بمكة متوار فكان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون سبُّوا القرآن ومن انزله ومن جاء به ، فقال اللَّه لنبيه صلى الله عليه وآله : ولا تجهر بصلاتك . . أي بقرائتك فيسمع المشركون فيسبّوا القرآن ، ولا تخافت بها عن أصحابك فلا تسمعهم القرآن حتى يأخذوه عنك « وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا » يقول : بين الجهر والمخافته ، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال : كان النبي صلى الله عليه وآله يجهر بالقراءة بمكة فيؤذى ، فانزل اللَّه « ولا تجهر بصلاتك » .