الشيخ محمد الصادقي

236

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

والاحساس ، « فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ » وستره ظلامه « رَأى كَوْكَباً » مما كانوا يعبدون ، فجاراهم في زعمهم دون مجابهة علنية ، حاكياً مقالهم « هذا رَبِّي » كأنه صلوات اللَّه عليه منهم « لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ » أي : ناسياً للميثاق طريق في الحوار طريف حكيم ، ومنهج في الحجاج قويم ، وهذه ادعى إلى انصاتهم لمقالته فإنها مقالتهم ، ثم كرَّ على المقالة من طريق خفى ينبئ عن سداد رأيه ونفاذ بصيرته ، فلما أفل هذا الكوكب تحت الأفق فتفقَّده فلم يجده ، وبحث عنه فلم يره قال : « انى لا أحب الآفلين » فكيف يكون الاله آفلًا غافلًا عن خلقه ، فذاتية الأفول دليل على ذاتية الحاجة والحدوث ، والفطرة الانسانية تتطلب الهاً لا يأفل ولا يغفل ، بل هو اله أزلي لا أوَّل له ولا آخر وهو الأول والآخر . « فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً » وهو أسطع نوراً من ذلك الكوكب ومن كل كواكب السماء ، وأكبر منه حجماً « قالَ هذا رَبِّي » تدرجاً في تحريه إلى الحق المُرام وهو الكمال المطلق ومطلق الكمال ، استدراجاً لهم واستهواءً لقلوبهم تمشياً بأقدام الفطرة في تحريها « فَلَمَّا أَفَلَ » هذا الأنورو الأكبر كما الأصغر « قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ » عما فطرهم عليه من معرفة اللَّامحدود ، تبياناً أن اللَّه هو مصدر الهدى ومانح التوفيق لها عن الردى « فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً » يتألق نورها وينبعث منها شعاعها وقد كست الأفق جمالًاو ملأت الأرض زينة ودلالًا « قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ » فلأنه أكبر قد لا يأفل والفطرة متحرية عن الكبير الذي لا يصغر « فَلَمَّا أَفَلَتْ » كسائر الآفلين حكم على جماعة عبدة الكواكب وأمثالها من الآفلين - / وكل كائنات آفلة مهما اختلفت المظاهر - / حكم عليهم بالاشراك وبراءته عنه « قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » « إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ . . » بكل وجوهه الفطرية والعقلية والقلبية « لِلَّذِي » فطرهن و « فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً » معرضاً عما سواه ومسلماً إياه « وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . أجل « وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » - / « وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » ثم « وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ » ومن قبل « لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي » وفى أُخرى « لَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ » هي عساكر من البراهين على أنه لم يكن يعتقد ما كان يكرره : « هذا رَبِّي » فإنما كان