الشيخ محمد الصادقي

223

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

والسجدة المحلقة على كل الكائنات هي سجدة الافعال والصفات والذوات طوعاً وكرهاً ، مهمّا تَخلّفَ جموعٌ من الجنة والناس اختيارياً ، فإنهم هم المعنيون بذلك التذكير التنديد الشديد ، لكي ينتبهوا عن غفلتهم ، ويفيقوا عن غفوتهم حين يرون الكون كله مسجداً فسيحاً فصيحاً في ذلك الحشد الهائل ، مشهد عجيب رهيب من الأشياء بظلالها والدواب كلها والملائكة « وهم لا يستكبرون » . وقد يعنى « ما » هنا بعض الدواب لمكان « من دابة » وكل الملائكة لمكان « والملائكة » ف « من دابة » هنا تبعيض ، وفى الاوّل جنس ، تبعيضاً حيث المقصود هنا البعد الثاني من السجدة وهو الاختيارية ، فكثير من الدواب تسجد لله عن شعور واختيار ، ومنها مؤمنوا الإنس والجن - / على قلتهم - / وسائر الدواب هي الأكثرية الساحقة بين الكل في سجودها لله ، اذاً فالتعبير ب « ما » دون « مَن » لمكان الدواب غير الإنس والجان فإنها غير ذوات العقول . فيا أيها الانسان الغَفلان النسيان ، أيتها الحشرة الهزيلة الكليلة ، لماذا هذا الاستكبار الاستدبار عن طاعة اللَّه الملك القهار ؟ ! وقد يروى عن رسول الهدى صلى الله عليه وآله « ان لله ملائكة في السماء السابعة سجوداً منذ خلقهم إلى يوم القيامة ترعد فرائصهم من مخافة الله ، لا تقطر من دموعهم الا صار ملكاً ، فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤسهم وقالوا : ما عبدناك حقَّ عبادتك » « 1 » ثم « وهم لا يستكبرون » تنفى عنهم تطلُّب الكبرياء الخاصة بربهم من فوقهم ، فهو يختلف عن التكبر ، فالله متكبر كبير ، يظهر الكبرياء الكائنة لذاته المقدسة قولًا وفعلًا ، وليس مستكبراً يطلب الكبرياء ، إذ لا تنقصها ذاته ولا صفاته وافعاله فكيف يطلب . فالاستكبار مذموم على أية حال لأنه طلب ما لا يعنيه ولا يمكن لاختصاصه بالله ، والتكبر منه ممدوح كما لله ، والتكبر مع المتكبر فإنه عبادة لله ومنه مذموم وهو التظاهر بكبرياء ليست له ، سواءٌ أكانت له ممكنة كالكبرياء الممكنة ، أم مستحيلة ككبرياء الربوبية

--> ( 1 ) - / المجمع أورده الكلبي في تفسيره عنه صلى الله عليه وآله .