الشيخ محمد الصادقي
214
التفسير الموضوعى للقرآن الكريم
البحار وغازى الفضاء على سواء ! ولأنه كتاب الناس أجمع ، يحمل هداية الناس أجمع . وكما قلناه ، مسبقاً : ان التفاوت المنفى هنا هو التضاد والتنافي وعدم انسجام التحام أجزاء الكون ، في أصل الكيان والنظام ، فهذه أرضنا تحول حول نفسها وحول شمسها في جادة فضائية ، لا تنزلق عنها ، ولا تبطىء ولا تزيد عما قرر لها من حراكها ، ونرى كذلك كافة السابحات في يِّم الفضاء ، بالمليارات المليارات ، فكل في فلك يسبحون ، دون اصطدام واصطكاك واحتكاك ، مما يدل على أن عليها سائق واحد مدبّر حكيم . فكلما تواترت الأنظار الدقيقة إلى خلق الرحمان ، لم تزدد الا زيادة المعرفة بنظمه الشامل ، وتنسيقه الكامل ، دون تفاوت فيه ، ولا نقص يعتريه . ترى رحمانية الخالق - / نتيجة كرور الأنظار - / من خلال هذا الكون ، ف « ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت » : أياً كانت الرؤية ومن أي كانت ، « فارجع البصر هلترى من فطور » ؟ تأكداً وتثبتاً ، في رجوع نافذ ناقداً أعمق من النظرة الأولى ، عله فاتك شئ فلتجده هنا ، هلترى من فطور : من فروج وشقوق وفتوق وخروق ؟ « ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ » : بغية الإحاطة على ما عله خفى عنك من فطور ، أو رجاء الإحاطة على خفيات الكون الغامضة : « ينقلب إليك البصر خاسئاً » مبعداً مصغراً ذليلًا كليلًاعما يهواه « وهو حسير » : ذليل أسير كليل أن يتعاطى نقداً ، أو تحيط علماً ! ان الأنظار المتجهة إلى الكون ، كلما تغرق في يمّه المتلاطم ، حائرة ، لا يزداد أصحابها في سبرهم غوره الا حيرة وبهراً ، يذعنون أنهم خاسئون بجنب هذه العظمة الباهرة ، وإذا عميت عليها حكمة فيه ، كما في الكثير منه ، فالنظر المنصف لا يتسرع بالنقد ، لما يعلمه باتقان أن صانعه أعلم منه وأحكم مهما تسرَّع الجاهلون الملحدون والمتسامحون عن عقولهم وعن فطرهم وضمائرهم . وقد تكون النظرة الأولى ، المأمور بها هنا ، النظرة البصرية الميسورة لكل واحد ، والثانية النظرة العقلية على ضوء الفلسفات العقلية والعلوم التجريبية ، والثالثة هي النظرة في ملكوت السماوات والأرض ، في حقيقة كيانها ، وأصل كونها ، وكيفية تكونها وتعلقها في