الشيخ محمد الصادقي

112

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

وحكم ثالث تحكم فيه بالحياة الآخرة هو حب الحياة اللانهائية لنفسه ، وهذا يختلف عن حب الحياة السرمدية المستحيلة له ، حيث الفطرة تحب مطلق الكمال كما تحب الكمال المطلق ، والثاني منفصل عن ذاته ، مستحيل لذاته ، والأول محبوب لذاته في ذاته ومنه الحياة الأبدية ، ففي حين تعلم كلُّ نفس أنها ذائقة الموت ، ومعذالك لا فتور في فطرته لحب الحياة الأبدية ، فلو كان موتُه فوتَه ، دون حياة بعده ، لكان محبوبه تخيُّلًا لا واقع له ، والحب الفطري المندغم في الذات يُحيل عدم المحبوب ، ويفرض وجوده ، وإذ لا أبدية في الحياة الدنيا فلتكن بعدها وهى حياة الحِساب . ولئن سألت : إذا كانت الحياة محبوبة الذات فلماذا ينتحر البعض رغم حب الحياة ؟ قلنا : وذلك دليل آخر على حب الحياة ، فلا أحدَ يرجِّح الموت على الحياة الّا لحب الذات بحياة مُريحة ، وأما الحياة الهرجة المحرجة المريجة ، فلا يتصبّر عليها الّا كل ذو حظٍ عظيم من معرفة الحياة بعد الممات ، ثم قليلوا المعرفة ، والناكرون للحياة بعد الموت ، هؤلاء قد يفضِّلون الموت على شقوة الحياة ، حباً لراحة الحياة وبغضاً لشقوتها ، ثم وكافة المحاولات للانسان تهدف إلى حياة مريحة مستمرة كأطول ما يمكن ، فلا أحدَ - / اذاً - / الّا ويحب الحياة بأبديتها . ومما يؤيد ذلك الحكم حكم الفطرة بحب استدامة الصيت والاسم بعد الموت ، فلو كان الموت فوتً لفترت الفطرة في حكمها أو نفدت فيه ، ونحن نرى المعترف بالحياة بعد الموت والناكر لها يحبان ذلك الصيت كما يحبان الأبدية ، دون فتور لهذا الحب أو ذاك ، مع العلم بواقع الموت ، فلولا الحياة بعد الموت ، فلا موقع لذلك الحب ! ولا سيما لمنكر الحياة بعد الموت ، فما يفيده صيته وتردُّد اسمه بخير على الألسن بعد موته إذا كان موته فوتَه ، فمن ذا الذي يحظوا ببقاء اسمه لولا حياته بعد موته ؟ هذا حكم الفطرة ، وثم العقل يحكم بلزوم الحياة بعد الموت قضيةَ علمه تعالى وعدله ، فليجازى المحسن والمسىءَ ، وإذ لا جزاء في الدنيا فليكن في الأُخرى ، تداوماً وتفصيلًا لحكم الفطرة . ثم الشرعة المعصومة فيها كل تفاصيل ذلك الحكم الفطري والعقلي ، مخطئةً أخطاء العقل ،