محمد متولي الشعراوي

6456

تفسير الشعراوى

وكان الردّ على الاتهام بالافتراء يتمثّل في أمرين : إما أن يفتروا مثله ، أو أن يتحمّل هو وزر إجرام الافتراء . وإن لم يكن قد افتراه ، فعليهم يقع وزر إجرامهم « 1 » باتّهامه أنه قد افترى . وأسلوب الآية الكريمة يحذف عنهم البراءة في الشطر الأول منها ، ولو جاء بالقول دون احتباك ، لقال سبحانه : قل إن افتريته فعلىّ اجرامي وأنتم برءاء منه ، وإن لم أفتر فعليكم إجرامكم وأنا برئ . وجاء الحذف من شقّ المقابل من شقّ آخر ، وهذا ما يسمّى في اللغة « الاحتباك » « 2 » . والحق سبحانه وتعالى يقول : كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ . . ( 249 ) [ البقرة ] والفئة القليلة تكون قلّتها في الأفراد والعتاد وكلّ لوازم الحرب ، والفئة الكثيرة ، تظهر كثرتها في العدّة والعدد وكلّ لوازم الحرب ، والفئة القليلة إنما تغلب بإذن اللّه تعالى . وهكذا يوضّح الحق سبحانه أن الأسباب تقضى بغلبة الفئة الكثيرة ، لكن مشيئته سبحانه تغلب الأسباب وتصل إلى ما شاءه اللّه تعالى .

--> ( 1 ) آثام الذنوب فيما افتروه . ( 2 ) الاحتباك : من أساليب البلاغة العربية ، وهو أن يحذف من الأول ما أثبت نظيره في الثاني ، ومن الثاني أن يحذف نظيره في الأول كقوله تعالى : وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ . . ( 12 ) [ النمل ] . والتقدير : تدخل غير بيضاء ، وأخرجها تخرج بيضاء ، فحذف من الأول « غير بيضاء » ومن الثاني « وأخرجها » . وقال الزركشي : هو أن يجتمع في الكلام متقابلان ، فيحذف من كل واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه ، كقوله تعالى : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ ( 35 ) [ هود ] . والتقدير : « إن افتريته فعلى اجرامي وأنتم برءاء منه ، وعليكم إجرامكم وأنا برئ مما تجرمون » [ الإتقان في علوم القرآن : 3 / 182 ، 183 ] .