محمد متولي الشعراوي

6454

تفسير الشعراوى

وهكذا أخذ آدم عليه السّلام التجربة ليكون مستعدا لاستقبال المنهج والوحي . وقد ذكر لنا الحق سبحانه كلمات الشيطان بقوله : قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( 39 ) [ الحجر ] ولكن هل أغوى اللّه - سبحانه - الشيطان ؟ إن الحق سبحانه لا يغوى ، ولكنه يترك الخيار للمكلّف إن شاء أطاع ، وإن شاء عصى . ولو أنه سبحانه وتعالى جعلنا مؤمنين لما كان لنا اختيار « 1 » ، فإن أطاع الإنسان نال عطاء اللّه ، وإن ضلّ ، فقد جعل اللّه له الاختيار ، ووجّهه لغير المراد مع صلاحيته للمراد . إذن : فالاختيار ليس مقصورا على الإغواء بل فيه الهداية أيضا ، والإنسان قادر على أن يهتدى ، وقادر على أن يضلّ « 2 » . ويقول الحق سبحانه بعد ذلك :

--> ( 1 ) يقول تعالى : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ( 99 ) [ يونس ] . ويقول سبحانه : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . . ( 256 ) [ البقرة ] . فإن الإنسان مخير في البدائل ، أما القضايا التي لا يستطيع تبديلها فهي خصوصية الخالق ، ويفهم من كلام فضيلة الشيخ أن إبليس من الجن لإثبات حق الاختيار له . ( 2 ) قال تعالى عن الإنسان : إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ( 3 ) [ الإنسان ] ، فالله قد جعل الإنسان مهيّا لأن يسلك أحد السبيلين : سبيل الهدى ، وسبيل الضلال ، ثم دلّه سبحانه على الطريق الصواب المستقيم ، وترك له حرية الاختيار ، فإما شاكرا لنعمة الدلالة إلى الخير ، فيكون مؤمنا . وإما كافرا بها فيكون كافرا .