محمد متولي الشعراوي
6453
تفسير الشعراوى
وقوله سبحانه هنا : فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا أي : سوف يلقون عذابا ، لأن غيّهم كان سببا في تعذيبهم ، فسمّى العذاب باسم مسبّبه . ومثل قول الحق سبحانه : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . ( 40 ) [ الشورى ] والحق سبحانه لا يسئ لعباده ، ولكنهم هم الذين يسيئون لأنفسهم ، فسمّى ما يلقاهم من العذاب سيئة « 1 » . وكذلك « الغىّ » يرد بمعنى « الإغواء » ، ويرد بمعنى الأثر الذي يترتب عن الغى من العذاب . وقد عرض الحق سبحانه وتعالى في كتابه صورا متعددة للإغواء ، فآدم عليه السّلام حين تنكّب « 2 » عن الطريق ، وأكل من الشجرة المحرّمة رغم تحذير الحق سبحانه له ألّا يقربها ، قال الحق سبحانه وتعالى في هذا الموقف : . . وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ( 121 ) [ طه ] وقد فعل آدم عليه السّلام ذلك بحكم طبيعته البشرية ، فأراد اللّه تعالى أن يعلمه أنه إذا خالف المنهج في « افعل » و « لا تفعل » ستظهر عورته وتبدو له سوءاته « 3 » .
--> ( 1 ) وهذا يعرف بالمشاكلة ، وهو ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ، ومثاله قوله تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . ( 40 ) [ الشورى ] ؛ لأن الجزاء حق لا يوصف بأنه سيئة . ومثله قوله تعالى : وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ . . ( 54 ) [ آل عمران ] فإطلاق المكر في جانب الباري تعالى إنما هو لمشاكلة ما معه . انظر : الإتقان في علوم القرآن ( 3 / 281 ) . ( 2 ) نكب عن الشئ وعن الطريق : عدل . وتنكّب فلان عنّا : مال عنّا . وتنكّبه : تجنّبه . [ انظر : لسان العرب ] . ويقول تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّراطِ لَناكِبُونَ ( 74 ) [ المؤمنون ] . أي : مائلون منحرفون عنه . ( 3 ) السوءات : جمع سوءة : وهي كل ما يقبح إظهاره وينبغي ستره ، قال تعالى : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) [ المائدة ] .