محمد متولي الشعراوي
6447
تفسير الشعراوى
ونلحظ هنا أن الخطاب قد حوّل إلى الغيبة « 1 » ، فلم يخاطب نوح عليه السّلام الضعاف ويقول لهم : إن اللّه سيمنع عنكم الخير ، ذلك لأن اللّه سبحانه وتعالى هو العليم بما في نفوسهم ، ولو قال نوح لهم مثل هذا القول لكان من الظالمين . واللام في كلمة لِلَّذِينَ تعنى الحديث عن الضعاف ، لا حديثا إلى الضعاف . ومجىء « اللام » بمعنى « عن » له نظائر « 2 » ، مثل قول الحق سبحانه : . . وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ( 43 ) [ سبأ ] وهم هنا لا يقولون للحق ، ولكنهم يقولون عن الحق ، وهكذا جاءت « اللام » بمعنى « عن » « 3 » . وهكذا أوضح نوح - عليه السّلام - أنه لو طرد من يقال عنهم « أراذل » ، لكان معنى ذلك أنه يعلم النوايا ، ونوح - عليه السّلام - يعلم يقينا أن اللّه هو الأعلم بما في النفوس ؛ لذلك لا يضع نوح نفسه في موضع الظلم لا لنفسه ولا لغيره .
--> ( 1 ) وهذا يعرف في أساليب البلاغة بالالتفات ، وهو نقل الكلام من أسلوب إلى آخر ، أي : من المتكلم أو الخطاب أو الغيبة إلى آخر منها ، بعد التعبير بالأول . ( انظر الإتقان في علوم القرآن - للسيوطي ) ( 3 / 253 ) . ( 2 ) من أمثلة اللام بمعنى « عن » أيضا ، قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ . . ( 11 ) [ الأحقاف ] أي : عنهم وفي حقهم ، لا أنهم خاطبوا به المؤمنين ، وإلا لقيل : « ما سبقتمونا » . ( 3 ) اللام : حرف يجر الظاهر والمضمر ، ويؤدى عدة معان منها : انتهاء الغاية ، والملك ، وشبه الملك ، والدلالة على التمليك ، والدلالة على شبه التمليك ، والدلالة على النسب ، والتعدية المجردة ، والتعليل ، والتوكيد المحض ، والتقوية ، والدلالة على القسم والتعجب معا ، والدلالة على التعجب بغير قسم ، والدلالة على العاقبة المنتظرة ، والدلالة على التبليغ ، والدلالة على التبيين ، وأن تكون بمعنى « بعد » ، وأن تكون بمعنى « قبل » ، وأن تكون بمعنى « من البيانية » ، وأن تكون للمجاوزة ( بمعنى : عن ) ، وأن تكون لتوكيد النفي ، وأن تكون بمعنى « مع » ، وأن تكون بمعنى « عند » . . . انظر تفصيل ذلك في [ النحو الوافي : ( 2 / 472 - 481 ) ] .