محمد متولي الشعراوي

6448

تفسير الشعراوى

يقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك : قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا « 1 » فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ والجدال هو قول كلام يقابل كلاما آخر ، والقصد عند كل طرف متكلم أن يزحزح الطرف الآخر عن مذهبه بحجة أو بشبهة ، بهدف إسقاط المذهب . إذن : فالجدال هو مناقشة طرفين ، يتقاسمان الكلام بهدف أن يقنع أحدهما الآخر بأن ينصرف عن مذهبه هو إلى مذهب القائل . وكلمة « الجدال » مأخوذة من « الجدل » أي : الفتل ، وفتل الحبل إنما يأتي من أخذ شعرات من الكتان أو الحرير أو أي مادة مثل هذا أو ذاك ، ثم ضمّ شعرتين إلى بعضهما ، ثم القيام بلفّ كل شعرتين أخريين ، وهكذا حتى يتم اكتمال الحبل . ويقال للرجل القوى : « مفتول العضلات » ، أي : أن عضلاته ليست رخوة أو ضعيفة ، بل مفتولة ، أي : متداخلة ومشدودة . وحين تنظر إلى الجهاز العضلى فأنت تندهش لقدرة الحق سبحانه وتعالى الذي خلق كل عضلة بشكل وأسلوب معين ، يتيح لها أن تتآزر وتتعاون مع غيرها من العضلات لأداء الحركات المطلوبة منها . فحين يرفع الإنسان رأسه فهو يحتاج لحركة أكثر من عضلة ، وحين تعمل اليد فهي تحرك أكثر من عضلة ، ولو تعطلت حركة عضلة واحدة ، لامتنعت الحركة المقابلة لها .

--> ( 1 ) جادل : خاصم بالحق والباطل . واستعمل في الباطل في قوله تعالى : ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . . ( 109 ) [ النساء ] واستعمل في الحق في قوله تعالى : وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . ( 125 ) [ النحل ] ، وقد نهى اللّه سبحانه حجّاج بيته الحرام عن الجدال بكل أنواعه صيانة لعلاقة المحبة بينهم ، قال تعالى : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ . . ( 197 ) [ البقرة ] . [ القاموس القويم ] .