محمد متولي الشعراوي
5871
تفسير الشعراوى
من الأغيار « 1 » ؛ فيتغير فلا يقدر أن يعطيك هذا السّلام ، لكن إذا ما جاء السّلام من اللّه تعالى ، فهو سلام من رب لا يعجزه شئ ، ولا يعوزه شئ ، ولا تلحقه أغيار ؛ لذلك يقول سبحانه : وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ ( 23 ) سَلامٌ عَلَيْكُمْ . . ( 24 ) . [ الرعد ] والملائكة حين يقولون ذلك إنما أخذوا سلامهم من باطن سلام اللّه تعالى ، وحتى أصحاب الأعراف « 2 » الذين لم يدخلوا الجنة ، ويرون أهل الجنة وأهل النار ، هؤلاء يلقون السّلام على أهل الجنة . وهكذا يحيا أهل الجنة في سلام شامل ومحيط ومطمئن ؛ لأن الداعي هو اللّه سبحانه ، ولا أحد يجبره على أن ينقض سلامه . ودعوة اللّه سبحانه هي منهجه الذي أرسل به الرسل ؛ ليحكم به حركة الحياة حركة إيمانية ، يتعايش فيها الناس تعايشا على وفق منهج اللّه تعالى ، بما يجعل هذه الدنيا مثل الجنة ، ولكن الذي يرهق الناس في الدنيا أن بعض الناس يعطلون جزئية أو جزئيات من منهج « 3 » اللّه سبحانه . وأنت إذا رأيت مجتمعا فيه لون من الشقاء في أي جهة ؛ فاعلم أن جزءا من منهج اللّه تعالى قد عطّل .
--> ( 1 ) فالسلام عند أهل الأغيار يتغير حسب المصالح ، أما سلام اللّه فلا يلحقه التغيير ولا التبديل ، لأن وعده الحق ، وقوله الصدق ، وهو السّلام ، ومنه السّلام . ( 2 ) أصحاب الأعراف هم قوم تساوت حسناتهم وسيئاتهم ، فيقفون بين الجنة والنار يوم القيامة ، ينظرون إلى أهل هذه وأهل تلك ، ينتظرون عفو اللّه عنهم ، وفيهم قال سبحانه : وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ ( 46 ) وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النَّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ( 47 ) [ الأعراف ] . ( 3 ) منهج اللّه تعالى : طريقه وشريعته ، قال تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً ( 48 ) [ المائدة ] . فقد وضع منهجا للروح سموا ، وللقلب حبا ، وللنفس سكينة وللعقل فكرا وتأملا وللجسم حركة . ومنهج هذه الطاقات يوجد مجتمع الربوبية بعقيدة توحده ، وعباده تحبه وتخشاه ومعاملات بأخلاق فإذا اختلت طاقة من هذه الطاقات بسبب نسيانه أو غفلة تعطل المسير في المنهج نحو اللّه جل علاه .