محمد متولي الشعراوي

5863

تفسير الشعراوى

جاءَتِ الصَّاخَّةُ « 1 » ( 32 ) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) . [ عبس ] إذن : فالدنيا بكل جمالها الذي تراه إنما تذوى « 2 » ، وما تراه من بديع ألوانها إنما يذبل ، ومهما ازدانت الدنيا فهي إلى زوال ، فإياك أن تبغى ؛ لأن البغى فيه متاع الدنيا ، والدنيا كلها إلى زوال ؛ كزوال الروض التي ينزل عليها المطر ؛ فتنبت الأرض الأزهار ، ثم يذوى كل ذلك . وقد قال الحق سبحانه : إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ ( 17 ) وَلا يَسْتَثْنُونَ ( 18 ) فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ ( 19 ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ « 3 » ( 20 ) . [ القلم ] إذن : فالدنيا بهذا الشكل وعلى هذا الحال .

--> ( 1 ) الصاخة : قال ابن عباس : هي اسم من أسماء يوم القيامة عظّمه اللّه وحذّر منه . وقال البغوي : الصاخة يعنى : صيحة يوم القيامة ، سمّيت بذلك ؛ لأنها تصخ الأسماع ، أي : تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها . [ تفسير ابن كثير : 4 / 473 ] . ( 2 ) تذوى : تذبل . ذوى النبات : أصابه الحر والعطش فذبل وضعف . وذوى عود النبات : يبس . [ اللسان : مادة ( ذوى ) ] . ( 3 ) هذا مثل ضربه اللّه تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة وأعطاهم من النعمة الجميلة ، وهو بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم ، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة ، ولهذا قال تعالى : إِنَّا بَلَوْناهُمْ أي : اختبرناهم كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار والفواكه إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ أي : حلفوا فيما بينهم ليجذّن ثمرها ( يجمعونه ) ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ؛ ليتوفر ثمرها عليهم ، ولا يتصدقوا منه بشئ . وَلا يَسْتَثْنُونَ أي : فيما حلفوا به ، ولهذا حنّثهم اللّه في أيمانهم ، فقال تعالى : فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ أي : أصابتها آفة سماوية فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ قال ابن عباس : أي : كالليل الأسود . وقال الثوري والسدى : أي : هشيما يبسا . [ تفسير ابن كثير : 4 / 406 ] .