محمد متولي الشعراوي

5864

تفسير الشعراوى

وهنا يقول الحق سبحانه : حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ ( 24 ) [ يونس ] والأرض تتزين بأمر ربها ، والحق سبحانه ينسب الإدراكات إلى ما لا نعرف أن له عقلا أو إرادة . ألم يقل الحق سبحانه في قصة العبد الصالح : فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ « 1 » . . ( 77 ) . [ الكهف ] فهل يملك الجدار إرادة أن ينقضّ ؟ ولو حققنا الأمر جيدا ؛ لوجدنا أن الحق سبحانه جعل لكل كائن في الوجود حياة تناسبه ، وله إرادة تناسبه ، وله انفعال يناسبه . وقد ضرب الحق سبحانه لنا في ذلك صورا شتّى ، فنجد أن الشئ الذي يعزّ على عقولنا أن تفهمه يبرز لنا ببيان من اللّه تعالى . ومثال هذا : معرفة الهدهد في قصة سليمان عليه السّلام بالتوحيد ، وكيف أخبر هذا الهدهد سيدنا سليمان عليه السّلام بحكاية مملكة سبأ حيث يسجد الناس هناك للشمس من دون اللّه ، فكأن الهدهد قد علم من يستحق السجود له إذ قال : أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ « 2 » فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ . . ( 25 ) . [ النمل ] ومن كان يظن أن الهدهد ، وهو طائر ، يكون على هذه البصيرة بالعقائد على أصفى ما تكون ؟ لأن الحق سبحانه أراد أن يبيّن لنا أن هذا

--> ( 1 ) يريد أن ينقض : الانقضاض السقوط بسرعة وإضافة إرادة الانقضاض إلى الجدار مجاز عن قرب سقوطه ، وذلك على التشبيه بحال من يريد الفعل ، وفي كتاب اللّه قوله : وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ . . ( 154 ) [ الأعراف ] وقوله : فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ . . ( 21 ) [ محمد ] [ تفسير سورة الكهف للشيخ محمد محمد المدني - بتصرف ] . ( 2 ) الخبء : ما خبىء . والخبء الذي في السماوات هو المطر ، والخبء الذي في الأرض هو النبات . وقيل : الخبء كل ما غاب ، فيكون المعنى : يعلم الغيب في السماوات والأرض . [ اللسان : مادة ( خبأ ) ] .