محمد متولي الشعراوي

5861

تفسير الشعراوى

بمعلوم ؟ فما بال اللّه - سبحانه وتعالى - يقول في شجرة الزقوم « 1 » : إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ( 64 ) طَلْعُها « 2 » كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ ( 65 ) [ الصافات ] ما بال اللّه سبحانه يبين شجرة الزقوم ، وهي شجرة في النار لا نعرفها ، فيعرّفها للمؤمنين به بأن طلعها يشبه رؤوس الشياطين ، وبذلك يكون سبحانه قد مثّل مجهولا بمجهول . والذين قالوا ذلك فاتهم أن الذي يتكلم هو اللّه تعالى . وقد أراد الحق سبحانه أن يمثّل لنا شجرة الزقوم بشئ بشع معلوم لنا ، والبشع المعلوم هو الشيطان . وشاء الحق سبحانه ألا يحدد البشاعة ؛ حتى لا ينقضى التشبيه ؛ لأن الشئ قد يكون بشعا في نظرك ، وغير بشع في نظر غيرك . ويريد اللّه سبحانه أن يبشع طلع شجرة الزقوم ؛ فاختار الشئ المتفق على بشاعته ، وهو رؤوس الشياطين ، وليتصور كل إنسان صورة الشيطان ، بما ينفر منه ويقبّحه ، وهكذا تتجلّى عظمة الحق سبحانه في أن جعل شكل الشيطان مبهما « 3 » . وأما المثل الذي نحن بصدده هنا وهو تشبيه الحياة الدنيا بأنها كالماء الذي أنزله الحق سبحانه من السماء فاختلط به نبات الأرض ، والحياة الدنيا نحن ندرك بعضها ، وكلّ منا يدرك فترة منها ، ولم يدرك أولها ، وقد لا يدرك آخرها ، فجاء الحق سبحانه بمثل يراه كل واحد منا ، وهو الزرع

--> ( 1 ) شجرة الزقوم هي الشجرة الملعونة في القرآن ، قال تعالى : وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ . . ( 60 ) [ الإسراء ] وأخبر اللّه تعالى في كتابه الكريم أنها تخرج في أصل الجحيم . وثمرها هو الزقوم وهو طعام أهل النار . [ اللسان : مادة ( زقم ) - بتصرف ] . ( 2 ) الطلع : غلاف يشبه الكوز ، ينفتح عن حبّ منضود ، فيه مادة إخصاب النخلة [ المعجم الوسيط : مادة ( طلع ) ] . ( 3 ) مبهما : خافيا . واستبهم الأمر إذا استغلق . والمبهم سمى كذلك لأنه أبهم عن البيان فلم يجعل عليه دليل . ومنه قيل لما لا ينطق « بهيمة » [ اللسان : مادة ( بهم ) ] .