محمد متولي الشعراوي
5857
تفسير الشعراوى
فاربأوا « 1 » على أنفسكم وافهموا أن متاع الدنيا قليل ، إن كان هذا المتاع نتيجة ظلمكم لأنفسكم ؛ لأن نتيجة هذا الظلم إنما تقع عليكم ؛ لأن مقتضى ما يعطيكم هذا الظلم من المتعة والنعمة هو أمر محدود بحياتكم في الدنيا ، وحياتكم فيها محدودة ، ولا يظن الواحد أن عمره هو عمر البشرية في الدنيا ، ولكن ليقس كل واحد منكم عمره في الدنيا وهو محدود . ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى : قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ . . ( 77 ) [ النساء ] وهنا يؤكد الحق سبحانه : إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ ( 23 ) [ يونس ] وقد يتمثل جزاء البغى في أن يشاء الحق سبحانه ألا يموت الظالم إلا بعد أن يرى مظلومه في خير مما أخذ منه ؛ ولذلك أقول دائما : لو علم الظالم ما ادخره اللّه للمظلوم من الخير ؛ لضنّ عليه بالظلم . وعلى فرض أن الظالم يتمتع بظلمه وهو من متاع الدنيا القليل ، نجد الحق سبحانه يقول : ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ . . ( 23 ) [ يونس ] وحين نرجع إلى اللّه تعالى فلا ظلم أبدا ؛ لأن أحدكم لن يظلم أو يظلم فكل منكم سوف يلقى ما ينبئه به اللّه سبحانه إن ثوابا أو عقابا ؛ مصداقا لقوله الحق : ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ « 2 » بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 23 ) . [ يونس ] وقد جاء الخبر عن نبأ الجزاء من قبل أن يقع ؛ ليعلم الجميع أن لكل فعل
--> ( 1 ) اربأوا على أنفسكم : حافظوا عليها وأبعدوها عن كل ما من شأنه أن يجلب لها العذاب في الآخرة . وفي الحديث : « مثلي ومثلكم كرجل ذهب يربأ أهله » أي : يحفظهم من عدوّهم . [ اللسان مادة ( ربأ ) ] . ( 2 ) الأنباء : الأخبار الهامة . قال الحق : تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها . . ( 101 ) [ الأعراف ] وقال : لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ . . ( 67 ) [ الأنعام ] . أي : لكل خبر عام وقت أو مكان يقع فيه في المستقبل أو في الماضي . ونبأه مثل أنبأه . والتضعيف يفيد المبالغة والتكرار . قال الحق : وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ . . ( 14 ) [ المائدة ] - القاموس القويم ج 2 ص 250 ، 251