محمد متولي الشعراوي
5856
تفسير الشعراوى
لقد فعل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ذلك ؛ لأنه ردّ على عدوان أقسى من ذلك . وهكذا نرى أن هناك بغيا بحق ، وبغيا بغير حق . ولذلك يسمى اللّه جزاء السيئة سيئة مثلها « 1 » ، ويقول سبحانه : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ( 194 ) [ البقرة ] ويسميه الحق سبحانه « اعتداء » رغم أنه ليس اعتداء ، بل ردّ الاعتداء . ويطلقها الحق سبحانه وتعالى قضية تظل إلى الأبد بعد ما تقدم ، فيقول : يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ( 23 ) [ يونس ] وهنا يبين اللّه سبحانه وتعالى وكأنه يخاطب الباغي : يا من تريد أن تأخذ حق غيرك ، اعلم أن قصارى « 2 » ما يعطيك أخذ هذا الحق هو بعض من متاع الدنيا ، ثم تجازى من بعد ذلك بنار أبدية « 3 » . وأنت إن قارنت زمن المتعة المغتصبة الناتجة عن البغى بزمن العقاب عليها ؛ لوجدت أن المتعة رخيصة هينة بالنسبة إلى العقاب الذي سوف تناله عليها ولا تأخذ عمرك في الدنيا قياسا على عمر الدنيا نفسها ؛ لأن الحق سبحانه قد يشاء أن يجعل عمر الدنيا عشرين مليونا من السنوات ، لكن عمرك فيها محدود .
--> ( 1 ) وذلك في نحو قوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . ( 40 ) [ الشورى ] . وهذا من قبيل المشاكلة ، وهو مصطلح بلاغى مؤداه ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوعه في صحبته ، فالجزاء هنا حق لا يوصف بأنه سيئة ، ولكنه سمى هكذا لمشاكلته لما معه . انظر ( الإتقان في علوم القرآن 3 / 281 ) . ( 2 ) قصارى الشئ : آخره وغايته وهي من معنى القصر ، أي : الحبس ؛ لأنك إذا بلغت الغاية حبستك . [ اللسان : مادة ( قصر ) - بتصرف ] . ( 3 ) ومن أمثلة الغصب والبغى بغير الحق ما رواه ابن مسعود قال : قلت يا رسول اللّه ، أىّ الظلم أعظم ؟ قال : ذراع من الأرض ينتقصها المرء المسلم من حق أخيه ، فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد إلا طوّقها يوم القيامة إلى قعر الأرض ، ولا يعلم قعرها إلا الذي خلقها . أخرجه أحمد في مسنده ( 1 / 396 ) والطبراني في معجمه الكبير ( 10 / 266 ) . قال الهيثمي في المجمع ( 4 / 174 ) : « إسناد أحمد حسن » .