محمد متولي الشعراوي

6415

تفسير الشعراوى

والمعنيان ملتقيان لأن انتفاء البدّية « 1 » يدل على أنها ثابتة . وكان يجب على العلماء أن يبحثوا في مادة الكلمة ، ومادة الكلمة هي « الجرم » ، والجرم : هو القطع « 2 » ، ويقال : جرم يده ، أي : قطع يده . وقول الحق سبحانه هنا : لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ ( 22 ) [ هود ] أي : لا قطع لقول اللّه فيهم بأن لهم النار ، ولا شئ يحول دون ذلك أبدا ، ولا بد أن ينالوا هذا الوعيد ؛ وهكذا التقى المعنى ب « لا بد » . إذن : فساعة تسمع كلمة « لا جرم » ، أي : ثبت ، أو لا بد من حدوث الوعيد . وأيضا تجد كلمة « الجريمة » مأخوذه من « الجرم » ، وهي قطع ناموس مستقيم ، فحين نقرر ألا يسرق أحد من أحد شيئا ، فهذا ناموس مستقيم ، فإن سرق واحد من آخر ، فهو قد قطع الأمن والسّلام للناس ، وأىّ جريمة هي قطع للمألوف الذي يحيا عليه الناس . وأيضا يقال : جرم « 3 » الشئ أي : اكتسب شرّه ، ومنه الجريمة ، ولذلك يقال : من الناس من هو « جارم » وهي اسم فاعل من الفعل : « جرم » ، مثل كلمة « كاتب » من الفعل « كتب » و « مجروم عليه » وهي اسم مفعول ، مثلها مثل « مكتوب » . فإن أخذت الجريمة من قطع الأمر السائد في النظام ، فهؤلاء الذين افتروا على اللّه وظلموا وصدوا عن سبيل اللّه ، فلا جريمة في أن يعذبهم اللّه بالنار .

--> ( 1 ) البد : النصيب من كل شئ . ولا بد منه : لا مفر . [ المعجم الوسيط ] . ( 2 ) الجرمة : ما قطع من البسر ( التمر ) . [ المعجم الوسيط ] . ( 3 ) جرم الشئ ، جرما : قطعه وغلب على فعل الشر . يقال : جرم أذنب وجنى جناية ، وجرم المال : كسبه من أي وجه . وجرمه : حمله على فعل شر أو ذنب أو جرم . قال تعالى : وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا . . ( 8 ) [ المائدة ] أي : لا يحملنكم بغض قوم على عدم العدل .