محمد متولي الشعراوي

6405

تفسير الشعراوى

أما في الأمور المحسة فلا يقال : « عوج » ، بل يقال : « عوج » ، فأنت إذا رأيت شيئا معوجا في الأمور المحسة تقول : عوج « 1 » . لكننا نقرأ في القرآن قول الحق سبحانه : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً ( 105 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً « 2 » ( 106 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً « 3 » ( 107 ) [ طه ] وقد أوردها الحق سبحانه هنا بهذا الشكل لدقة الأداء القرآني ؛ لأن هناك عوجا حسيا يحسه الإنسان ، مثلما يسير الإنسان في الصحراء ؛ فيجد الطريق منبسبطا ثم يرتفع إلى ربوة ثم ينبسط مرة أخرى ، ثم يقف في الطريق جبل ، ثم ينزل إلى واد ، وأي إنسان يرى مثل هذا الطريق يجد فيه عوجا . أما إذا كنت ترى الأرض مبسوطة مسطوحة كالأرض الزراعية ، فقد تظن أنها أرض مستوية ، ولكنها ليست كذلك ؛ بدليل أن الفلاح حين يغمر الأرض بالمياه ، يجد بقعة من الأرض قد غرقت بالماء ، وقطعة أخرى من نفس الأرض لم تمسها المياه ، وبذلك نعرف أن الأرض فيها عوج لحظة أن جاء الماء ، والماء - كما نعلم - هو ميزان كل الأشياء المسطوحة .

--> ( 1 ) قال ابن منظور في اللسان ( مادة عوج ) : « هو بفتح العين مختص بكل شخص مرئى كالأجسام ، وبالكسر بما ليس بمرئى كالرأى والقول ، وقيل : الكسر يقال فيهما معا ، والأول أكثر » . ( 2 ) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً : القاع : الأرض المستوية المنخفضة عما حولها . والصفصف : الأرض الملساء المستوية . أي : أن الجبال تزول ، فلا يكون لها أثر . [ القاموس القويم ] . وذكر ابن كثير في تفسيره أن اللّه تعالى يذهب الجبال عن أماكنها ويمحقها ويسيرها تسييرا ، فيجعلها - أي : الأرض - قاعا صفصفا ، أي : بساطا واحدا ، والقاع هو المستوى من الأرض ، والصفصف تأكيد لمعنى استواء الأرض يومئذ ، وقيل : الذي لا نبات فيه والأول أولى وإن كان الآخر مرادا أيضا باللازم ولهذا قال : لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً أي : لا ترى في الأرض يومئذ واديا ولا رابية ولا مكانا منخفضا ولا مرتفعا . قاله ابن عباس وعكرمة وآخرون . ( ابن كثير 3 / 165 ) . ( 3 ) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً ( 107 ) [ طه ] أي : أنها ملساء مستوية ، لا انحراف فيها يمنة ولا يسرة ، فلا ميل فيها مطلقا ولا انخفاض فيها ولا ارتفاع . [ القاموس القويم ] .