محمد متولي الشعراوي
6392
تفسير الشعراوى
هنا كان على الإنسان أن يرهف سمعه لذلك الرسول ؛ لأنه قد جاء ليحلّ للإنسان أمرا يشغل باله . ومن لطف اللّه سبحانه بنا أنه لم يطلب منا مقدّما أن نفكر في ذلك ، بل تركنا فترة طويلة بلا تكليف في هذه الدنيا ، لينعم الإنسان بخير ربه ، وبعد ذلك إذا ما جاء اكتمال الرشد ونضج ، ولم يكن مكرها ؛ فالحق سبحانه وتعالى يكلفه بتكاليف الإيمان . ولا بد للإنسان أن يتساءل : فكل شئ - مهما كان تافها - لا بد له من صانع ، والمصباح الذي يضئ دائرة قطرها 20 مترا ، عرفنا صانعه ، ودرسنا المعامل التي أنجزته ، والإمكانات التي تم استخدامها ، والمواد التي صنع منها ، أفلا نعرف تاريخ هذه الشمس ، ومن جعلها لا تحتاج إلى صيانة ولا إلى وقود ولا إلى قطع غيار ، وتنير نصف الكرة الأرضية ؟ هذه مسألة كان يجب أن نبحثها ؛ لنرى آفاق تلك البينة ، بينة نور وقوة وفطرة ، يهبها اللّه للإنسان المفكر ؛ ليهتدى إلى أن وراء هذا الكون خالقا مدبرا . فإذا ما جاء إنسان مثله ليقول له : إن خالق الدنيا هو اللّه تعالى ، وهو سبحانه يطلب منك كذا وكذا ، كان أمرا منطقيا وطبيعيا أن نسمع لهذا الإنسان ونطابق ما يقول على إحساس الفطرة ورؤية البينات . إذن : فنحن نصل إلى المجهول أولا بالفطرة ، وقد نصل بالبديهة التي لا تشوبها « 1 » أدنى شبهة ، فأنت حين ترى دخانا تعتقد بالبديهة أن هناك نارا ، وحين تسير في الصحراء وترى خضرة ؛ ألا تعتقد أن هناك مياها ترويها ؟
--> ( 1 ) أي : لا تختلط به شبهة ، أي : الفكر البعيد عن الأهواء . والشوب : ما اختلط بغيره من الأشياء ، وبخاصة السوائل ، قال تعالى : ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ ( 67 ) [ الصافات ] . ويقال : سقاه الذوب بالشوب : العسل بما يشاب به من ماء أو لبن . [ المعجم الوسيط ] .